شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (9).. «عريس الأسرى»: اعتقلوني بعد 45 يوما من زفافي
شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (9).. «عريس الأسرى»: اعتقلوني بعد 45 يوما من زفافي
أجرت الحوار: رؤى ممدوح
تصوير - محمد ليل
داخل أحد المنازل فى قرية بيت لقيا بالضفة، كان نصرى عايد وزوجته خديجة موسى، لا يزالان يستقبلان الزائرين لتهنئتهم بالزفاف الذى لم يتجاوز الشهرين، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال الإسرائيلى عش الزوجية وتقتاد الزوج مكبل اليدين ومغمى العينين إلى المجهول، حيث امتدت رحلته فى غياهب السجون لأكثر من 20 عاماً. وبين جدران الزنازين وسنوات القهر، ظل «نصرى» مؤمناً بمقولة والده بأن «السجن لا يُغلق على أحد»، فى هذا الحوار يروى الأسير المحرّر فصولاً من معاناة امتدت على مدار أكثر من عقدين داخل سجون الاحتلال. وحلمه الذى لم يتحقّق بعد، وإلى جانبه تتحدّث زوجته خديجة موسى التى انتظرت حريته طويلاً، حاملة صبرها وحكاياتها.
■ عرّفنا بنفسك فى البداية، وما ملابسات اعتقالك؟
- أنا نصرى عايد حسين عاصى، من مدينة القدس، عمرى 48 سنة. قضيت فى الأسر 21 عاماً، منذ اعتقالى عام 2004 وحتى الإفراج عنى فى 13 أكتوبر 2025، وتم اعتقالى من قرية بيت لقيا التابعة لمحافظة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، وكنت حينها شاباً فى الخامسة والعشرين من عمرى، وحديث عهد بالزواج، إذ لم يمر على زفافى سوى 45 يوماً، حيث اقتحمت وحدات من جيش الاحتلال منزلى بطريقة عنيفة، وتم اقتيادى إلى داخل إحدى المركبات العسكرية، ووجهوا إلىّ تهمة الانضمام إلى المقاومة الفلسطينية، وقال لى المحقّق حينها: «لقد قمت بأعمال ستدفع عليها ثمناً غالياً». وبعد التحقيق، صدر بحقى حكم بالسجن 18 مؤبداً بتهمة قتل 18 إسرائيلياً.
■ صف لنا معاناة الأسرى فى العيادات الطبية داخل السجون.
- كانت سنوات الأسر قاسية ومليئة بالمعاناة. وكنا نتعرض بشكل مستمر للتنكيل والانتهاكات. والعيادات الطبية فى السجون لم تكن للعلاج، بل للتعذيب، حيث تُمارَس داخلها أعمال غير أخلاقية، ويُجرى الأطباء تجارب أدوية جديدة على أجساد الأسرى، هذا فضلاً عن الضرب المبرح الذى كنا نتعرّض له أثناء ذهابنا، فيتم تعصيب أعيننا وتكبيلنا بالحديد، وأثناء الطريق يتم دفعنا على الجدران والاعتداء علينا بالألفاظ القبيحة، فكان الأسرى يُفضّلون الموت على أن يتم اقتيادهم إلى العيادة، وأنا شخصياً تعرّضت مئات المرات لهذه الاعتداءات.
■ حدّثنا عن حالتك الصحية داخل السجن.
- قبل الإفراج عنى بعشرين يوماً، أصبت بمرض الجرب الجلدى فى سجن ريمون، كانوا فى البداية يتركوننا دون أى اهتمام، ودون أى فحص أو علاج، وكان سببه منع المياه والاستحمام أو غسل الملابس، مثلاً كنا نرتدى الملابس ذاتها لعدة أيام متواصلة دون تبديلها، وعند السماح بغسلها يكون ذلك بالمياه فقط دون صابون أو أى مساحيق للنظافة، بالإضافة إلى رطوبة الزنازين وانعدام النظافة ومنع مستلزماتها، ولما طلبنا أدوية تم إعطاؤنا حبوباً ليس لها أى مفعول طبى واستمرت معاناتى ولم أتلقَّ علاجاً حقيقياً إلا بعد وصولى إلى مصر. وأريد أن أوضح أن هذا المرض انتشر بين أغلب الأسرى، فمن أصل 120 أسيراً فى القسم، كان بينهم أكثر من 80 مصاباً بالمرض.
■ ما أصعب ما واجهته داخل السجن؟
- السجن كله مآسٍ ولحظات صعبة، ولكن بعد الحرب على غزة تم التنكيل بنا بشكل فج وغير مسبوق، حيث تصاعدت عمليات القمع، وأُغلقت الأقسام، وصودرت أبسط الحقوق. وأكثر ما كان يقتلنى هو منع الزيارات والتواصل مع عائلتى. لم أكن أعلم شيئاً عنهم، ولا حتى عن حالة والدى أو زوجتى. كانوا يمنعوننا من مقابلة المحامين، وتمر علينا الأخبار كالصواعق دون أن نعرف ما يحدث خارج الجدران، وكنا نسمع عن اقتحامات للمنازل وعمليات قتل، فكنت لا أعلم ما هو حال أسرتى، فأنا منقطع تماماً ولا أدرى ما ذا حل بهم، وآخر عامين فى الأسر كانا أسوأ فترة فى السجون خلال أكثر من عقدين فى الأسر، ولم ينقطع أملى فى الله بالإفراج عنى، وكنت أستمد قوتى من والدى، وقال لى فى أول زيارة «يا ابنى السجن ما بيسكر على حدا»، وكنت أمزح وأقول له أنا تم الحكم علىّ بـ1782، يعنى بما يقرب من عمر سيدنا نوح، من باب السخرية، ولأخفف عن نفسى وطأة الواقع، ولكني كنت على يقين أن الحرية آتية لا محالة، لم يكن هناك مجال للشك فى نفسى، لكن موعدها كان علمه عند الله وحده، وعندما أبلغنى السجان أننى ضمن قائمة المفرج عنهم، وقرأ المسئول عن القسم اسمى للخروج من الزنزانة إلى الساحة الخارجية، لم أصدق فى البداية من شدة الفرح.
■ ذكرت أن هناك أساليب تعذيب وحشية.. هل يمكن أن توضح لنا أحدها؟
- نعم، هناك طريقة تسمى «الكلّابة»، حيث يطلق السجانون الكلاب الضخمة على الأسرى وهم مكبّلون ومعصوبو الأعين. أتذكّر حادثة قاسية تعرّض لها الأسير عماد القواسمى، حيث أطلقوا عليه كلباً ضخماً هاجمه فى صدره بالغطاء الحديدى المثبت على فمه، فأصيب إصابات بالغة.
■ ذكرت أنكَ لم ترَ ابنك منذ ولادته تقريباً، احكِ لنا عن تلك المعاناة.
- نعم، أنا لم أرَ ابنى «عايد» سوى مرات قليلة جداً من خلف الحاجز الزجاجى، وفى كثير من الأوقات كانت مصلحة السجون لا تسمح له بالزيارة، بحجة أن هويتى تتبع مدينة القدس التى يسيطر عليها الاحتلال، و«عايد» هويته تتبع مدينة رام الله التى تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وبالتالى ليست هناك صلة قرابة بيننا، رغم أن اسمه مطابق لاسمى، ولكن هذه إحدى طرق التضييق على الأسرى، وهو الآن شاب عمره 20 سنة، ولكن لا توجد بيننا ذكريات كأى أب ونجله، لم أحتضنه ولم ألمسه ولو مرة واحدة، حتى بعد الإفراج عنى، لأن جيش الاحتلال منعه من السفر إلى مصر لاستقبالى، وأول شىء كنت أحلم به بعد تحرّرى، هو رؤية ابنى واحتضانه، ولكن لم يُقدّر الله بعد ذلك الأمر، وكانت مقابلتنا الأولى عن طريق مكالمة فيديو، ولكنى أُمنى نفسى كل يوم بلقائه.
■ التقيت خلال سنوات الأسر الطويلة بالمناضل أحمد سعدات، حدّثنا عن تلك اللقاءات.
- نعم، التقيت بالمناضل أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فى سجن ريمون عام 2022. وحدث ذلك أثناء توجّهنا إلى العيادة الطبية لتلقى العلاج، حيث كانت حالته الصحية متدهورة جداً وسيئة للغاية، وبنيته الجسدية هزيلة. ورغم ذلك لم يفقد ابتسامته الهادئة وصموده وصبره، وبعد ذلك تم نقله إلى سجون أخرى ولم أره مجدداً.
■ سيدة خديجة، كيف عِشتِ لحظة اعتقال زوجك؟
لم أكن أعلم أنه منخرط فى صفوف المقاومة، لذلك كانت صدمة كبيرة عندما اقتحم الجنود منزلنا واعتقلوه. كنت عروساً جديدة، ووجدت نفسى فجأة فى مواجهة فراغ كبير لا يُحتمل، ولم أفقد الثقة بالله ولم أفقد الثقة فى خروجه من الاعتقال.

■ احكِ لنا عن حياتك خلال أسر شريكك.
- كانت رحلة شاقة ومؤلمة جداً. عِشتُ على الأمل أن يخرج زوجى يوماً. عندما اعتُقل كنت حاملاً، وأنجبت ابننا «عايد» وهو فى السجن. عرف والده بخبر ولادته من خلف القضبان، وكنت أُرى الطفل صور والده، وأحكى له قصصاً عنه حتى يشعر به وأقول له هذا هو والدك البطل. وأول مرة رآه «نصرى» كانت من خلف الزجاج بعد عام ونصف من ولادته، رفعت «عايد» أمام الحاجز ليراه، كانت لحظة مأساوية لا أنساها أبداً.
■ وكيف كانت حياة «عايد» فى غياب والده؟
- رغم البعد والحرمان، كان مجتهداً ومتفوقاً فى دراسته. كان دائماً يقول إنه يريد أن يجعل والده فخوراً به. أنهى التوجيهى بتفوق، والتحق بتخصّص التسويق فى الجامعة، ورغم أنه لم يعِش مع والده يوماً، إلا أنه يراه قدوته الأولى.