محمود الجارحي يكتب: الرضيع في حضن المتهمة.. والعدالة تقول كلمتها في مذبحة دلجا

كتب: محمود الجارحي

محمود الجارحي يكتب: الرضيع في حضن المتهمة.. والعدالة تقول كلمتها في مذبحة دلجا

محمود الجارحي يكتب: الرضيع في حضن المتهمة.. والعدالة تقول كلمتها في مذبحة دلجا

كانت القاعة مكتظة عن آخرها، الهواء ثقيلًا والعيون معلّقة بامرأة ترتدي ثوبًا أبيض فضفاضًا، تقف خلف الأسوار الحديدية، تحتضن طفلًا رضيعًا بين ذراعيها.

لم يكن المشهد عاديًا.. فالتي تحمل الحياة على صدرها، هي ذاتها المتهمة بانتزاعها من سبعة أجسادٍ بريئة في واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها محافظة المنيا «مذبحة دلجا».

كانت «هاجر أ.ع»، 26 عامًا، واقفة بصمت، نظراتها شاردة، وجهها شاحب، وذراعاها تطوقان رضيعها كمن يحتمي به من العالم كله. في الجهة المقابلة، كانت وجوه والدة الضحايا غارقة في الدموع تنظر إلى المتهمة: «هي دي اللي قتلتهم».. ما بين الحزن والذهول.. ظلّت الأنفاس محبوسة حتى نطقت المحكمة بحكمها الأخير.

قضت المحكمة بإعدام المتهمة شنقًا.. جملة واحدة كانت كفيلة بأن تهز القاعة. ارتفعت أصوات البكاء، وانهارت والدة الضحايا، فيما بقيت المتهمة ثابتة، كأنها لم تسمع شيئًا. لم تصرخ، لم تبكِ، فقط احتضنت طفلها أكثر، وكأنها تخشى أن يُنتزع منها هو الآخر.

قبل شهور، لم تكن «دلجا» تلك القرية الصغيرة التابعة لمركز دير مواس تعرف سوى البساطة والطيبة. لكن في صباحٍ حزين من أيام يوليو، انقلبت الدنيا.. أبٌ وستة أطفال، تتراوح أعمارهم بين عامين واثني عشر عامًا، تناولوا وجبة الخبز، ثم بدأ الصراخ.. واحدًا تلو الآخر سقطوا أمام أعين من لم تكن رحيمة بهم.

التحقيقات كشفت عن أن الجريمة لم تكن وليدة لحظة، بل خُطّط لها مسبقًا. المتهمة «هاجر» اشترت مبيدًا زراعيًا قاتلًا، واحتفظت به حتى جاء اليوم الذي قررت فيه الانتقام من زوجها وأطفاله بعد أن علمت بعودته إلى طليقته الأولى، أم الأطفال الستة.

وفي لحظة غيرة وغضب، وضعت السم داخل الخبز، ثم قدمته للأسرة بوجهٍ هادئ وكلماتٍ عادية. دقائق قليلة كانت كافية لتحوّل الوجبة إلى مأتم.. حين وصلت سيارات الإسعاف، كان المشهد يفوق الوصف. ستة أجسادٍ صغيرة ووالدهم ماتوا واحد تلو الأخر، بينما المتهمة كانت تشاهد فى صمت تدّعي الذهول.

اعترفت خلال التحقيقات:«كنت زعلانة منه.. رجع لطليقته وأنا ماليش مكان.. كنت عايزة أريحه من العيال ومنها».

وأضافت المتهمة في التحقيقات أنها حاولت أيضًا أن تسمّم الزوجة الأولى بالطعام نفسه، لكن القدر أنقذها حين رفضت تناوله.

بعد شهورٍ من التحقيقات، أحيلت القضية إلى محكمة جنايات المنيا، التي استمعت إلى أقوال الشهود وتقارير الطب الشرعي والأدلة.

وفي إحدى الجلسات، طلب الدفاع الرأفة لأنها أمّ لطفل رضيع، لكن ممثل النيابة العامة قال في مرافعته: «من دسّت السم في الخبز، لم ترحم الطفولة، ولا يليق أن تُمنح رحمةً لم تمنحها لغيرها».

وبعد مداولة قصيرة، قررت هيئة المحكمة بإجماع الآراء إحالة أوراق المتهمة إلى مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامها، ثم في الجلسة الأخيرة، نطقت المحكمة بالحكم النهائي.. وقضت في جلسة اليوم بإعدام المتهمة.

في اللحظة التي غادر فيها الحرس القاعة، بقيت صورة المرأة بثوبها الأبيض ورضيعها الصغير عالقة في أذهان الجميع.. مشهد يجمع التناقض كله: أمٌّ بين ذراعيها حياة جديدة، وتدينها العدالة على سبع أرواحٍ أزهقتها بسمٍّ وابتسامة.

رحلت «هاجر» من القاعة، وعيونها لم تلتفت خلفها.. أما قرية دلجا، فما زالت حتى الآن تعيش على ذكرى الخبز الأخير، الذي حمل في طيّاته طعم الموت.