مرجعية عربية مضطربة (3)

إذا كان بعض المفكرين العرب قد شغلتهم «عولمة» الأشياء فى الوقت الراهن، فإن الأفكار والمعتقدات كانت «معولمة» منذ زمن طويل.

فالإسلام مثلاً دين عالمى، نزل للبشرية جمعاء، ولم يقتصر على قوم بعينهم، كحالة الأديان السماوية الأخرى، أو الأديان الوضعية التى انتشرت فى بقع جغرافية وأوساط اجتماعية محددة.

لذا نجد أتباع هذا الدين منتشرين فى كافة الأنحاء، بعد أن بذلت «الدعوة» فى الإسلام، جهداً متواصلاً فى سبيل تحقيق هذا الهدف.

والمسيحية، وعبر حركة مستمرة من «التبشير» جمعت حولها المؤمنين بها فى شتى الأصقاع.

وفى عالمنا المعاصر، وبالنسبة للمذاهب الإنسانية، نجد أن الشيوعية لم تقتصر على الدولة التى شهدت أول ثورة من أجلها، وهى روسيا القيصرية، بل امتدت إلى أقطار أخرى، فأخذت بها أنظمتها السياسية، أو اعتقدت فيها جماعات بدول لم تتبنّ أنظمتها الشيوعية مذهباً سياسياً، فحدثت بين الجانبين مواجهات ومصادمات، تركت بصمتها على التطور السياسى والاجتماعى.

والليبرالية لم تظل حبيسة أوروبا، التى شهدت ولادتها، بل انتشرت لتصبح غاية لمجتمعات عديدة فى أرجاء الأرض.

ووصل الاعتقاد ببعض أتباعها إلى اعتبارها النموذج الأصلح لأى مجتمع فى أى مكان من الآن فصاعداً.

لكن قبول الأشياء المعولمة يبدو أكثر يسراً من الرضا بالأفكار المعولمة.

وقد شغلت هذه القضية أذهان الكثيرين منا، فلم يجدوا غضاضة فى استيراد التقنيات والسلع من الغرب المتقدم صناعياً، فى المقابل رفضوا بشكل قاطع أن يأخذوا من أنتجته القريحة الغربية من أفكار فلسفية واجتماعية وسياسية على علاتها.

ووصل الأمر بالبعض إلى القول بأن التكنولوجيا ليست بريئة تماماً، لأنها لا تنفصل عن ذهنية المجتمع الذى أنتجها، ما يعنى أن عولمة الأشياء لا تحظى بقبول شامل، خاصة فى ظل رغبات وطنية بالمنافسة فى مجال إنتاج السلع والخدمات والتقنيات.

إن الحديث، الذى يتبناه بعضنا، عن أن نظرية اجتماعية ما تصلح للتطبيق فى كل زمان ومكان يبدو من ضروب الخرافة، فالأماكن تختلف والأزمنة تتبدل والمجتمعات فى صيرورة دائمة، والبشر ليسوا متماثلين فى مشاربهم وأهوائهم.

وحتى الأديان لم تدع إطلاقية فى الزمان والمكان فى الجانب الخاص بالمعاملات الإنسانية والاجتماعية، وفصلت بين العقدى الذى لا يمسه تغيير والتعبدى الذى لا يستبعد ما تفرضه بعض الظروف، والاجتماعى المتغير حسب الحال وبما لا يجافى روح النص، أو يخرج على المقاصد الأساسية للشرع الإلهى.

ومن يخلط بين هذه الروافد الرئيسية للدين، بحيث يريد أن يصبغ الاجتماعى بإطلاقية العقدى، يبدو فى رأى المستنيرين، الذين يُعملون عقلهم حسب ما يفرضه الشرع ذاته، متطرفاً، أو حروفياً، أى يتعامل مع النص بمعزل عن سياقه الزمانى والمكانى، أو ما يطلق عليه الفقهاء «سبب النزول»، ولا يرغب فى أن يكون للاجتهاد نصيب من التصور العام للتعامل مع مسألة أو قضية أو حالة ما.

وهذا الموقف يريد أن يشدنا إلى الوراء ويبطل عمل المضغة العظيمة التى منحنها الله إياها وهى العقل، ولذا فإن مثل هذا الطرح يجب أن يرفضه كل من يريد لأمته تقدماً ورفعة.

وإذا كانت تلك الرؤية تنطبق حتى على الدين، بجلاله السماوى وتجذره العميق فى الأنفس وانتشاره العريض بين البشر، فإنها من باب أولى يجب أن تمثل عنصراً أساسياً فى التعامل مع الطروحات البشرية المتماسكة نسبياً، من فلسفات ومذاهب، بحيث لا نقبل أن يدعى أحد واضعيها أو من يؤمنون بها أن لها مقومات تجعلها قابلة للتطبيق بحذافيرها فى الأمكنة كافة، أو أن التاريخ البشرى ذاهب إليها حتما.

كما تطرح الشيوعية، أو أن هذا التاريخ تجمد عندها كما يدعى فرنسيس فوكاياما بالنسبة لليبرالية، المجسدة فى الديمقراطية سياسياً والرأسمالية اقتصادياً.

فالحديث الواثق عن حتميات يسير التاريخ البشرى إليها أو تتابع خطاه وفق ما تنطوى عليه من أبنية وغايات، لا يختلف فى عنصريته ونرجسيته وأخطائه عن الحديث عن «حتميات بيولوجية» تقوم على العرق والدم وتهمل الروافد الحضارية كافة.

وحين تطرح الأديان نهاية لتاريخ البشر على الأرض فإنها تبنى ذلك على قيم عظيمة من الحق والخير والعدل والجمال، وتنتصر لكل من ينحاز لهذه القيم، وليس لعنصر ما أو فكرة ما، مصابة بعورات عديدة مهما حاول طارحها أن يقدمها فى صورة متكاملة، وهو ما أظهره النقد البناء والمتواصل لكافة الطروحات التى عرفتها الإنسانية.