أشرف غريب يكتب: إلى وزير التعليم.. مع التحية

كتب: editor

أشرف غريب يكتب: إلى وزير التعليم.. مع التحية

أشرف غريب يكتب: إلى وزير التعليم.. مع التحية

حتى تكون الأمور واضحة منذ البداية .. لا أحد على الإطلاق ضد تطوير منظومة التعليم فى مصر، ولا أحد ينكر المجهودات الجبارة التى يبذلها رجال وزارة التعليم وعلى رأسهم الوزير الدكتور محمد عبد اللطيف، من أجل النهوض بالعملية التعليمية، وندرك أيضاً الأعباء الجسيمة التى تتحملها الوزارة فى سبيل توفير بيئة ملائمة للوصول بهذه العملية التعليمية إلى مبتغاها، لكننا كمراقبين للممارسة الفعلية فى مدارسنا بعد نحو ستة أسابيع من بدء العام الدراسى أو حتى كأولياء أمور نود أن نهمس فى أذن رجال الوزارة بأمر شديد الأهمية:

إننا نتفهم بالتأكيد حرص الوزارة حالياً على ربط الطالب طيلة الوقت بالمعلومة والدرس، خاصة مع اعتماد أسلوب تكاملية المواد الدراسية، لكن على وزارتنا العزيزة أن تدرك أن المرحلة الابتدائية تحديداً هى مرحلة التكوين الذهنى والمعرفى، وترغيب الطلاب فى طقس المذاكرة والارتباط الإيجابى بالمدرسة وبالعملية التعليمية بوجه عام، فبعد مرور هذه الفترة الدراسية من العام الجديد 2025- 2026 واستمرار الوزارة فى انتهاج أسلوب التقييمات الأسبوعية ثم الامتحانات الشهرية، بات الطالب الصغير تلميذ المرحلة الابتدائية مطالباً كل يوم بأداء امتحان فى مادة معينة، وأصبح لزاماً عليه أن يبقى طوال الأسبوع، من لحظة انتهاء اليوم الدراسى إلى صباح اليوم التالى، منكباً على الكتاب يحاول أن يلاحق ما سوف يمتحن فيه داخل الحصة الدراسية، بل إن مدة الحصة نفسها لم تعد كافية للامتحان والشرح معاً، فتكون النتيجة تأخر كثير من المدرسين فى شرح مناهجهم الدراسية أو المرور عليها سريعاً دون تعمق، رغبة فى الالتزام بالتوقيتات الموضوعة سلفاً حتى الانتهاء من شرح المواد الدراسية على مدار العام الدراسى.

سيادة الوزير الأب لن أحدثك عن حالة اللهاث التى يعيشها أطفالنا حتى يتمكنوا من ملاحقة ما يتلقونه من مواد دراسية، أو عن ذلك (الماراثون) الدائم من أجل الاستعداد للتقييمات الأسبوعية والامتحانات الشهرية، بعد أن تحولت أيامهم الدراسية طوال العام إلى امتحانات مستمرة دون أى وقت لالتقاط الأنفاس، لن أحدثك عن فقدان أى فرصة فى ممارسة الهواية، سواء كانت رياضية أو فنية، فى مرحلة من المفترض أن تكون هى مرحلة التكوين وبناء الشخصية، فربما يكون فى ذلك نوع من الترف أو الرفاهية فى ظل هذه السياسة القائمة على جعل الطالب منكباً ليلاً ونهاراً على الكتاب، لن أحدثك عن طفولة هؤلاء، عن فقدانهم الشعور بمتع المرحلة السنية التى يعيشونها، عن حيويتهم وانطلاقهم فى ظل هذا الكبت الدائم والضغط المستمر، ثم ماذا عن حبهم للمدرسة؟ عن رغبتهم فى التعليم؟ عن ارتباطهم النفسى بمدرسيهم؟ عن كل الضغوط التى باتوا يتنفسونها يومياً؟

لقد أصبح أداء الطلاب أقرب إلى آلة ليس لها أى فرصة فى صيانة تروسها أو إعادة تأهيلها كى تعطى الأداء المطلوب، وتحول كل طفل فى بيته وبين أفراد أسرته تحت هذه الضغوط إلى قنبلة موقوتة من الممكن أن تنفجر فى أى لحظة إذا كانت لم تنفجر بالفعل، لقد بات أبناؤنا معتلى المزاج بشكل دائم، مشدودى الأعصاب باستمرار، كثيرى المشاحنات مع أصدقائهم وآبائهم، لم يعد لديهم أى وقت لممارسة حياتهم الاجتماعية والعائلية أو حتى متابعة حالتهم الصحية، باختصار.. لم تعد لديهم أى فرصة لفعل أى شىء بخلاف العكوف على الكتاب، هل هذا هو المطلوب أو المرجو؟ لا أعتقد سيادة الوزير.

واسمح لى أن أخاطب فيك روح الأبوة وأنقل لك حالة طفل بالمرحلة الابتدائية بعث لى بها أحد أولياء الأمور، لقد تعرض ابنه لكسر فى يده، ولم يعد قادراً على الكتابة، وأمام تتابع الامتحانات والتقييمات لم يجد فرصة أو وقتاً للذهاب إلى الطبيب أو لمركز الأشعة إلا بعد مرور يومين أو ثلاثة، وحينما ذهب كان الكتاب رفيقه عند زيارة الطبيب من أجل ملاحقة ما سوف يمتحن فيه صباح اليوم التالى، ورغم أن الطبيب وضع يده فى الجبس، وأشار عليه بضرورة الراحة لمدة معينة حتى يلتئم الكسر فقد أصر الطفل على الذهاب إلى المدرسة حتى لا تتراكم عليه الامتحانات والتقييمات، صحيح أن إدارة مدرسته مشكورة قد راعت ذلك ووفرت له من يكتب له فى الامتحانات والتقييمات، لكن هناك فارقاً كبيراً بين أن يكتب الطالب بنفسه وبين أن يملى ما يريد على غيره، إلى هذا الحد أصبح الطفل مضغوطاً، وولى أمره مرتبكاً، والحياة فى كل بيت متوترة.

نحن لا نريد أن تتحول العملية التعليمية إلى كابوس يطارد أطفالنا، أو عبء نفسى وذهنى وبدنى يفقدهم الحماس نحو التحصيل الدراسى، نريدهم أن يستمتعوا بدراستهم، ويحبوا الطقس ذاته، ويسعوا إلى الذهاب إلى المدرسة بفرح ورضا، نريدهم أسوياء غير مشوهين نفسياً أو عضوياً، لقد نبغت قامات مصر العظيمة مثل أحمد زويل ونجيب محفوظ وغيرهما فى ظل نظام تعليمى يوازن بين متطلبات العملية التعليمية وبين مقتضيات الحياة العادية، إننا يا سيادة الوزير –كما أسلفت– لسنا ضد التطوير ولا ننكر جهود الوزارة فى هذا الملف، لكننا ننشد الرفق بأبنائنا وإعطاءهم فرصة لكى يعيشوا طفولتهم، حتى تنجح سياسة الوزارة بالنهاية فى تقديم نماذج سوية، تكون قادرة على خدمة وطنها بكل حماس وتميز، تأكيداً لما ينادى به الرئيس السيسى دائماً بضرورة بناء الإنسان المصرى بصورة متكاملة وقادرة على العطاء، من أجل مصرنا العزيزة ومستقبلها المشرق الذى نعمل جميعاً من أجله.


مواضيع متعلقة