سفينة ضخمة أقدم من دول وقارات وحكايتها تخفي أسرارا.. ادفع 200 جنيه لزيارتها

كتب: أمنية سعيد

سفينة ضخمة أقدم من دول وقارات وحكايتها تخفي أسرارا.. ادفع 200 جنيه لزيارتها

سفينة ضخمة أقدم من دول وقارات وحكايتها تخفي أسرارا.. ادفع 200 جنيه لزيارتها

في جانب معماري منفصل، لكنه يتصل اتصالًا وثيقًا بمحتوى المتحف المصري الكبير، تتربع مراكب الملك خوفو، المعروفة بـ«مراكب الشمس»، ضمن قاعة خُصصت لها، منفصلة عن باقي قاعات المتحف، هذا التخصيص لم يكن صدفة، نظرا لأن المركب يعد القطعة الأضخم حجمًا بين المعروضات الأثرية في المتحف، فكان لا بد من توفير مكان منفصل يستوعب هذه المراكب الضخمة، وفي الوقت نفسه يتيح للزائرين إمكانية رؤيتها بشكل كامل وشامل داخل المتحف الخاص بها.

سفينة عضوية أقدم من دول وقارات

يقع مبنى مراكب خوفو في نهاية البهو الكبير للمتحف، ويتميز بكونه يتوهج بضوء الشمس الطبيعي خلال ساعات النهار، ما يمنحه مظهرًا يحيّر الزائر للوهلة الأولى، إذ يبدو كأنه فندق فاخر صُمم على الطراز المصري القديم، ويحيط بالمبنى ساحة خارجية هندسية تحاكي مجرى نهر النيل في فكر المصري القديم، يتوسطها تمثال الإله «حابي»، رمز الفيضان والخصوبة، محاطًا بعشرة تماثيل للإلهة «سخمت» التي تمثل رمز الحماية، وداخل القاعة، تروي الشاشات التفاعلية الموجودة في الصالة الأرضية قصة المراكب، وتشرح مراحل بنائها وكيفية استخدامها في الطقوس الدينية المتعلقة بمعتقدات العالم الآخر عند المصري القديم، وقد صُممت القاعة على ثلاثة مستويات مختلفة، لتمكِّن الزائر من مشاهدة المركب من الأعلى، والأسفل، والوسط، في مشهد متكامل يجسدها وكأنها تبحر بالفعل.

ومع الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، فتحت قاعة متحف مراكب الملك خوفو أبوابها رسميًا أمام الزائرين، ويُعد هذا المتحف أحد أبرز المتاحف النوعية على مستوى العالم، كونه يضم قطعتين أثريتين نادرتين، وهما مركب خوفو الأولى والثانية، وتُعتبران من أقدم وأضخم الآثار العضوية التي صمدت عبر آلاف السنين، وللمرة الأولى في التاريخ، تعرض المركبين الملكيين جنبًا إلى جنب، وفي موقع واحد داخل المتحف الكبير.

مراكب خوفو

مركب الشمس الأولى.. أقدم سفينة خشبية

مركب الشمس هي إحدى سفينتي الملك خوفو، وقد اكتُشفت عام 1954م بجوار الهرم الأكبر في الجيزة، وتُعد هذه المركبة من أقدم وأضخم السفن الخشبية التي تم اكتشافها في التاريخ، إذ يصل طولها إلى نحو 43.6 متر، وصُنعت من خشب الأرز اللبناني، وكان الغرض منها رمزيًا؛ لاستخدامها في رحلة الملك إلى العالم الآخر، وفقًا للمعتقدات الدينية الفرعونية، فعند اكتشافها، وُجدت مفككة إلى 651 قطعة، وموزعة بعناية فائقة داخل 13 طبقة، وقد استغرقت عملية ترميمها وإعادة تجميعها نحو 25 عامًا على يد الخبير المصري أحمد يوسف مصطفى، وبلغ طول المركب بعد ترميمه 43.4 متر وعرضه 5.9 متر، ليُصبح واحداً من أضخم المراكب الأثرية المكتشفة على الإطلاق، بحسب الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار المصرية.

مراكب خوفو

وتعود تفاصيل الكشف إلى عام 1951، حينما كلف محمد ذكي نور، كبير مفتشي الآثار بالجيزة، المهندس كمال الملاخ بأعمال حفر استكشافية في الجانب الجنوبي من الهرم الأكبر، وفي مايو 1954، وبعد إزالة الجدار الأصلي المحيط بالمجموعة الهرمية، تم الكشف عن حفرتين مغلقتين، وعثر القائمون بأعمال الحفائر على مواد عضوية متنوعة داخل هذه الحفر، شملت حصيرًا من أوراق البردي المحاكة بخيط، وحصيرًا آخر من البوص والألياف النباتية، وحبالًا من نبات الحلفا، بالإضافة إلى منسوجات كتانية ووسادات من الكتان المغطاة بالراتنج، والتي يُرجح أنها استُخدمت كوسائل حماية لهيكل المركب.

مراكب خوفو

وفي عام 1961، جرى تصميم متحف المركب الملكي عند هرم خوفو على ثلاثة مستويات، لتمكين الزائرين من رؤية المركب بالكامل من زوايا متعددة، وفي عام 1970م، تم الانتهاء من تثبيت المركب بداخل المتحف معلقة على ارتفاع 8 أمتار فوق حفرتها الأصلية، وفي تطور لاحق بعام 2019، طُرحت خطة علمية على الرئيس عبدالفتاح السيسي، لنقل المركب الأولى للملك خوفو وإزالة المتحف القديم، وبعد إجراء دراسات تفصيلية، وافقت الحكومة على الخطة التي وضعها اللواء مهندس عاطف مفتاح، بهدف نقل المركب إلى المتحف المصري الكبير، لضمان الحفاظ على أقدم القطع الأثرية العضوية الباقية في العالم.

تجهيزات النقل المعقدة والرحلة الكبرى

وفي أغسطس 2020، أغلق المتحف وبدأت أعمال الترميم الأولية والتنظيف والتعقيم للمركب، تلاها تفكيك وتغليف بعض الأجزاء الحساسة مثل: المقدمة، وغرفة القبطان، والمؤخرة، والمجاديف، وتزامنًا مع ذلك، بدأت أعمال تأهيل مبنى المتحف القديم استعدادًا لعملية الاستخراج والنقل، ولضمان ثبات المركب وتجنب أي اهتزازات أثناء النقل، وأنشئ هيكل خشبي حول المركب، ثم هيكل معدني محكم بلغت أبعاده 50 مترًا طولًا، و7 أمتار عرضًا، و7.5 متر ارتفاعًا، وأجريت تجربتين لمحاكاة عملية النقل باستخدام عربة ذكية تم إحضارها خصيصًا من بلجيكا وتعمل بنظام التحكم عن بعد، تضمنت نقل هيكل معدني مزود بأوزان تماثل وزن وحجم المركب، ما ساعد في التحضير للنقل النهائي الآمن والفعال، وفي الفترة ما بين 5 إلى 7 أغسطس 2021، نقل مركب خوفو الأول من منطقة أهرامات الجيزة إلى المتحف المصري الكبير في عملية استغرقت 72 ساعة، حيث قطعت مسافة 7.5 كيلومتر داخل الهيكل المعدني الضخم، وبعد وصولها، استُكملت أعمال تأهيلها وتجهيزها للعرض المتحفي بأعلى المعايير العلمية، ثم استكمل بناء المتحف بتشييد سقف يزن 720 طناً من الحديد.

مراكب خوفو

اكتشاف المركب الثانية وترميمها

على الرغم من اكتشاف حفرة المركب الثانية عام 1954، فقد تقرر عدم المساس بها آنذاك، وفي عام 1987، سُمح لكل من الدكتور فاروق الباز والدكتور زاهي حواس، كبير مفتشي منطقة الأهرام، بفتحها جزئيًا للتأكد من وجود مركب قديمة بداخلها، وانطلق المشروع المصري الياباني المشترك لاستخراج وترميم المركب الثانية في عام 1992، حيث تم بناء خيمة كبيرة فوق الحفرة وأُخذت قطعة صغيرة من الخشب لفحصها، وتوقف العمل لفترة، ثم استُؤنف مرة أخرى في عام 2008 بواسطة الدكتور زاهي حواس والدكتور ساكوجي يوشيمورا، بهدف إنقاذ المركب وإعادة تجميعها.

وبين عامي 2009 و2011، قام الفريق المصري الياباني ببناء خيمة مكيفة الهواء فوق الحفرة لحماية القطع الخشبية من الجفاف، وقاموا بتوثيق وإزالة بقايا السور المحيط والكشف عن الكتل الحجرية التي كانت تغطي الحفرة ويُعرض بعضها الآن داخل المتحف، وعثر على مركب مفككة أسفل الكتل الحجرية، لكن وجود تسرب للمياه إلى الحفرة، تسبب في تدهور شديد للقطع الخشبية، الأمر الذي استدعى أخذ عينات وفحصها لوضع الطرق الصحيحة لاستخراجها وترميمها.

مراكب خوفو

وفي الفترة ما بين عامي 2013 و2021، رفع الفريق المصري الياباني المركب الثاني من حفرتها، واستخرج حوالي 1650 قطعة من أخشاب متنوعة شملت الأرز، والعرعر، والنبق (الزيزفون)، والسنط المحلي، والسرو، كما عُثر بداخل الحفرة على مواد أخرى، منها النحاس، والحصير، والنسيج، والحبال، ولكن لسوء الحظ، وُجدت المركب الثانية في حالة سيئة للغاية، لذا تم تقييم كل جزء منها على حدة وترميمه بشكل أولي في معمل مؤقت بجوار الحفرة، لتقوية القطع الخشبية، ما يسمح بإعادة تركيبها مستقبلًا.

مراكب خوفو

وبالتوازي مع دراسة المركب الأولى، جمع الفريق بيانات قيمة عن طريق القياس والرسم واستخدام تقنيات الماسح الضوئي ثلاثي الأبعاد للقطع الخشبية الخاصة بالمركب الثانية، وكان لتحليل هذه البيانات دورا أساسيا في فهم كيفية إعادة تجميع المركب الثانية وتمكين الفريق من عمل نموذج دقيق لها، وبعد ذلك، نقل الفريق المصري الياباني المشترك جميع أجزاء المركب إلى معامل الترميم داخل المتحف المصري الكبير، لإجراء المزيد من أعمال التسجيل والمعالجة، ثم جرى وضعها بداخل مخازن المتحف لتحفظ في بيئة مثالية، وفي عام 2023، بدأ فريق العمل في التجميع المبدئي لأجزاء المركب الثانية، بما في ذلك الهيكل، وسطح المركب، والمجاديف، داخل المتحف المصري الكبير، ومع اكتمال بناء قاعة مراكب الملك خوفو الجديد في عام 2025، جرى تثبيت وعرض المركب الأولى، بينما تم تخصيص مساحة كبيرة كمنطقة عمل تتيح للزائرين رؤية الفريق المسؤول عن المركب الثانية، وهو يبذل قصارى جهده في إعادة بنائها أمام أعين الجمهور.