علي الفاتح يكتب: «القاهرة - الرياض».. توازن الإقليم ومواجهة الإرهاب
علي الفاتح يكتب: «القاهرة - الرياض».. توازن الإقليم ومواجهة الإرهاب
لا حرب ولا سلم فى الشرق الأوسط بدون مصر والسعودية، وعلى صفحة مياه البحر الأحمر رسم البلدان استراتيجية الأمن من السودان إلى أعماق المحيط الهندى، وعبر مبادرة تجديد الخطاب الدينى يخوضان حرباً على جماعات الإرهاب، حماية لاستقرار المنطقة، ودفاعاً عن الدولة الوطنية، العلاقة بين مصر والسعودية أخذت طابع التحالف الاستراتيجى منذ اللحظة الأولى، ويعود تاريخ هذا الحلف إلى عام 1926، بتوقيع الدولتين معاهدة الصداقة.
منذ اللحظة الأولى حرصت كل منهما على دعم الأخرى فى المحافل الدولية، ولم تألُ المملكة السعودية جهداً لدعم مصر فى مساعيها نحو نيل الاستقلال والتحرر من الاحتلال البريطانى، وسرعان ما تطورت هذه العلاقة إلى تحالف استراتيجى متكامل بتوقيع معاهدة الدفاع المشترك عام 1955، وهو ما تجلى بوضوح فى الدعم السعودى المطلق لمصر أثناء حرب أكتوبر 1973.
لم تنقطع عملية التنسيق بينهما فى كل الملفات والأزمات، التى واجهتها شعوب ودول الشرق الأوسط، وأهم تلك الأزمات قضية الصراع العربى الإسرائيلى، فدعماً لجهود مصرية للدفاع عن حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 يونيو 1967، أطلقت السعودية المبادرة العربية الشهيرة عام 2002 الأرض مقابل السلام.
نحن أمام علاقة لها خصوصيتها يتداخل فيها السياسى والاقتصادى مع الثقافى والاجتماعى، وبفضل عملية التواصل الدائمة والتنسيق المستمر تجاوز البلدان عبر مائة عام كل التحديات، لكن، وبعد قيام ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر ضد تنظيم الإخوان الإرهابى، وبسبب دعم المملكة للشعب المصرى ولثورته، بدأنا نلاحظ عبر مواقع التواصل الاجتماعى ما بدا وكأنه تغير فى طبيعة العلاقة بين الشعبين.
حرب تغريدات ومنشورات تتبادل الاتهامات والانتقادات، التى أخذت طابع المكايدة، على مدى 12 عاماً لم تتوقف تلك الحرب المتقطعة، التى تندلع فى أوقات بعينها لتهدأ ثم تعود، وبات معروفاً للقاصى قبل الدانى أن تنظيم الإخوان الإرهابى العدو الأول لمشروع الدولة الوطنية، فهو يسعى للسيطرة على الحكم فى بلدان المنطقة عبر الفوضى لإقامة حلمه الزائف، واتبع فى سبيل ذلك عدة تكتيكات وخطط تتناسب مع ظروف كل دولة يوجد فيها، ولتحقيق هدفه تحالف مع كل أجندات إثارة الفوضى فى المنطقة، ومؤخراً دخل حلفاً شيطانياً مع الصهيونية العالمية ليكون أداة لتنفيذ خطط الكيان الصهيونى ظناً منه أن إسقاط أنظمة الحكم، وهدم الدول وتقسيمها سيمكنه من مبتغاه.
المملكة السعودية أدركت خطر هذا التنظيم على كل شعوب الشرق الأوسط إذا استتب له حكم مصر، لذلك سارعت إلى دعم ثورة المصريين الشعبية فى الـ30 من يونيو سياسياً فى كل المحافل الدولية، علاوة على الدعم الاقتصادى اللامحدود، لذلك كان طبيعياً أن تكون العلاقة المصرية السعودية مرمى لسهام هذا التنظيم المسمومة، وراح، عبر عناصره، يختلق حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعى بأسماء سعودية وأخرى مصرية، فيما يعرف بظاهرة الذباب الإلكترونى لتتبادل الشتائم والسباب، والمكايدة.
مصر والسعودية لم تكتفيا بالمواجهة الأمنية، فقد أطلق البلدان مبادرة لتجديد الخطاب الدينى، وتغيير مضامينه الزائفة، والتى تعزز حالة التطرف، وتدعم العنف والإرهاب الفكرى والمادى، فى مصر أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسى دعوته الشهيرة لضرورة تجديد الخطاب الدينى، داعياً رجال الأزهر والمثقفين والمفكرين إلى الانخراط فى هذه العملية، لتفنيد خطاب الإسلام السياسى.
وأعلنت المملكة السعودية بداية مشروع لتنقية الأحاديث النبوية وتصفيتها، لافتة إلى أنه من بين عشرات الآلاف من الأحاديث المنسوبة للرسول هناك نحو مائة حديث فقط ثبتت صحتها، فيما تخضع أحاديث الآحاد لعملية إعمال العقل، لأخذ ما يتفق منها مع المنطق ومصالح الناس، بينما تستبعد أحاديث الخبر، وهى بالآلاف، مؤكدة أهمية هذا المشروع، لأن الأحاديث سبب الانقسام فى العالم العربى والإسلامى، بين المسلمين العاديين وأرباب التنظيمات الإرهابية، لافتة إلى أن القاعدة وداعش وغيرهما من جماعات الإرهاب تجد فى الأحاديث المنسوبة للنبى ما يبرر جرائمها.
مصر والسعودية تبنتا مشروعاً متكاملاً للدفاع عن الدولة الوطنية، وتعزيز أركانها فى مواجهة محاولات جماعات الإسلام السياسى بهدمها وتفكيكها من الداخل، وفى هذا السياق تبنت المملكة عدة إصلاحات تشريعية تخص المرأة إلى جانب تبنيها مشروعاً ثقافياً وفنياً تنويرياً لتعزيز الشعور الوطنى، ودعم قيم المواطنة لتكون حصانة ضد جماعات الفوضى.
ولما زاد حجم التحديات التى تواجه الأمن الإقليمى، كان من الطبيعى أن تتحرك مصر والسعودية، انطلاقاً من دورهما التاريخى لتقويض مشروع الكيان الصهيونى بفرض الهيمنة على المنطقة، وحفظ الأمن والاستقرار فى البحر الأحمر وصولاً إلى المحيط الهندى، مروراً بالسودان والقرن الأفريقى.
هذا التحرك أزعج الكيان الصهيونى، وبعض داعميه دولياً وإقليمياً، لذلك رأى أن ضرب العلاقة المصرية السعودية هدف حيوى، فعاد للاعتماد على تنظيم الإخوان الإرهابى، وتابعيه من التنظيمات الإسلاموية لينضم ذباب الإسلام السياسى الإلكترونى إلى حليفه الصهيونى عبر حسابات وهمية، لشن حرب ضروس هدفها إشعال الفتنة، لتفكيك هذا التحالف بين القاهرة والرياض.
وليس مستغرباً على جماعة الإخوان لعب هذا الدور القذر، بعد أن شهدنا عناصرها تحاصر السفارات المصرية، وتتظاهر أمام مقر سفارتنا فى تل أبيب، متهمة مصر بحصار قطاع غزة، لتخفيف الضغط على مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.
عملياً مصر والسعودية أطبقتا الحصار على نتنياهو فى غزة، وتعملان الآن على إبطال حرب جديدة موسعة على لبنان، وتدعمان الجيش السودانى ضد أذرع نتنياهو المحلية والإقليمية.
أخيراً، وليس آخراً، الاقتصاد أحد المظاهر الواضحة للطبيعة الاستراتيجية للعلاقات المصرية السعودية، فمشروع الربط الكهربائى بطاقة 3 آلاف ميجا بين البلدين يوشك على الانتهاء، وإجمالى الاستثمارات السعودية فى مصر بلغ 25 مليار دولار، بخلاف إنفاقها على مشاريع تنموية زراعية وصحية وتعليمية فى المحافظات المختلفة، وهى ثانى شريك تجارى لمصر، فقد بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين، خلال النصف الأول من هذا العام، ما يقرب من 6 مليارات دولار وفقاً لجهاز الإحصاء.