الإخوان والحرب الرقمية ضد التحالف المصري - السعودي

منذ سنوات طويلة، كان الرهان الأكبر لجماعة الإخوان على اختراق الداخل العربى من بوابة الشعوب، لا من بوابة الدول، واليوم، وقد أُغلقت أمامها الممرات السياسية، فلم يكن أمامها إلا استخدام طرق أخرى، تستطيع من خلالها تحقيق مخططها فى إثارة الفوضى فى المنطقة كلها، وكان من هذه الطرق طريق أكثر غموضاً، ولكنه أوسع تأثيراً، وهو الفضاء الرقمى.

فهناك فى هذا العالم اللانهائى لا يوجد جيوش ولا حدود، وإنما ملايين من الشاشات الصغيرة يمكن أن تُشعل حرباً باردة بين شعبين خلال ساعات، دون أن يُسمع صوت رصاصة واحدة، ومن خلال هذا الفضاء الرقمى تدور حالياً مخططات الإخوان، ليس على أرض الواقع، ولكن على سماء الأقمار الصناعية.

فما نراه هذه الأيام ليس مجرد نشاط عابر على مواقع التواصل، بل هو محاولة حقيقية لتفكيك واحد من أهم محاور التوازن فى المنطقة، وهو التحالف المصرى - السعودى.

هذا التحالف، فى ميزان القوى الإقليمية لم يكن مجرد تنسيق بين حكومتين، بل كان دائماً تعبيراً عن إرادة مشتركة لمجتمعين عربيين لهما تاريخ مشترك، حافظاً -رغم كل العواصف- على حد أدنى من التماسك العربى.

وقد كان الإخوان -ولا يزالون- يدركون ذلك تمام الإدراك. يعرفون أن استمرار الجسر بين القاهرة والرياض قوياّ منيعاّ، يعنى انهيار أملهم الأخير فى استعادة مشروعهم القديم واستعادة نفوذهم بين الشعوب.

لكنهم هذه المرة لا يتحرّكون عبر منابر الخطب أو الشعارات الدينية، بل عبر ما يُمكن تسميته بـ«هندسة الرأى العام الافتراضى».

وفى هذه الحرب الجديدة، لا يرفعون رايات، بل يطلقون إشاعات، ولا يجنّدون الأعضاء والكوادر فى الشوارع، بل يصنعون «الذباب الإلكترونى» الذى يُثير الغبار فى العقول.

وقد بدأت خطة «هندسة الرأى» هذه منذ عام 2024، والغريب أنه تم الإعداد لها فى لندن، عبر منصات تمت برمجتها وبرمجة القائمين عليها لإشعال الخلافات وإثارة الفتن بين الشعبين المصرى والسعودى، ومن وقتها بدأت تلك الموجة الجديدة من هذه الحرب الرقمية تظهر بوضوح، حيث انتهى زمن الأدوات البدائية والحركة البطيئة.

فالجماعة اليوم تمتلك، عبر أذرعها الإعلامية فى الخارج، قدرة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى توليد صور وفيديوهات وصوتيات يصعب التمييز بينها وبين الحقيقة.

ومن خلال هذه الأدوات المخيفة يُمكن لتصريح اقتصادى بسيط -كحديث عن تأخر استثمار أو إعادة ترتيب أولويات مالية- أن يتحول خلال ساعات إلى رواية مكتملة عن «غضب» و«خلاف» و«تراجع».

ثم تتوالى الخيوط، فنجد حسابات مُبرمجة تُعيد النشر بعشرات اللغات واللهجات، وقنوات مُغرضة فى الخارج تتلقف القصة لتمنحها بُعداً سياسياً، ووسائل إعلام أجنبية تجد فى ذلك مادة مغرية عن «تصدّع فى التحالف العربى».

وبينما تتأخر الردود الرسمية أحياناً، تكون الشائعة قد أتمت دورتها وانتشرت فى وعى الناس كأنها حقيقة.

ليس هذا جديداً فى منطق الجماعة، لكنها المرة الأولى التى تدور فيها المعركة على هذه الدرجة من التقنية. فـ«المنشور» صار قذيفة، و«المقطع المصور» صار كتيبة كاملة من التضليل، والهدف ليس إسقاط دولة، بل إسقاط الثقة بين دولتين، ومن ثم إثارة الفتنة والوقيعة وتهديد الاستقرار.

لقد تابعتُ فى الأسابيع الأخيرة نماذج عدة لما يُمكن تسميته «هندسة السخط»، فكل قضية إنسانية أو اقتصادية بين مصر والسعودية، مهما كانت محدودة، تتحول فوراً إلى معركة رقمية تُدار من غرف مظلمة فى الخارج.

حادث فردى لعامل مصرى فى الرياض يُصبح عنواناً عن «الإهانة»، وتأخر مشروع استثمارى يُفسَّر على أنه «انسحاب»، وتصريح مسئول سعودى أو مصرى يُجتزأ ليُقرأ فى سياق من الخصومة لا من التعاون.

إنهم يحاولون أن يُحولوا المعلومة إلى عاطفة، والعاطفة إلى سلاح. وبهذا المنهج، يمكن أن يتسلل الشك إلى القلوب قبل أن تصل الحقيقة إلى العقول.

وإذا استمر هذا السيناريو دون وعى كافٍ أو رد فعّال، فإن آثاره لن تبقى فى حدود السوشيال ميديا، بل ستمتد إلى الواقع الملموس.

فالثقة هى رأس المال الحقيقى فى العلاقات بين الشعوب، وحين تُخدش هذه الثقة، تبدأ معها موجة تراجع غير محسوسة: فى الاستثمارات، فى التحويلات، فى السياحة، وفى المزاج العام ذاته.

والحرب التى تُشن اليوم ليست بين جيوش، بل بين سرديات، والإخوان وهم يواجهون واقعهم السياسى البائس، يحاولون أن يصنعوا لأنفسهم وجوداً بديلاً فى فضاء الوهم، عبر أدوات ذكية، ولكنها مكشوفة لمن يتأملها.

من هنا يجب أن نُدرك أن المعركة الحقيقية ليست مع «التغريدة» أو «المقطع المزيف»، أو «الفيديو الملفّق»، بل مع بطء الوعى فى إدراك خطورة تلك الأدوات. المطلوب اليوم ليس فقط رداً رسمياً سريعاً، بل تأسيس عقل جمعى عربى يدرك أن كل تأخير فى المعلومة يفتح نافذة للشائعة.

فقه المرحلة يوجب علينا أن يكون هناك تنسيق مصرى - سعودى لا يقتصر على الملفات الاقتصادية والأمنية، بل يمتد إلى المجال الإعلامى والرقمى، لأن هذا هو ميدان المعركة الجديد.

فما يجمع القاهرة والرياض ليس مصلحة عابرة ولا صفقة استثمار، بل تاريخ طويل من التساند حين يشتد الخطر.

ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسمح لأصوات صغيرة، أو صور مزيفة، أن تُشكك فى هذا التاريخ. فالشراكة التى صمدت أمام الحروب والمؤامرات، لن تهزها تغريدة، ولن تنال منها حملة رقمية، طالما بقى العقل العربى قادراً على التمييز بين الصدى والصوت، وبين الحقيقة والوهم.