سقطة ياسر جلال وذكاؤه

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

الفنان الواعى يكون من الذكاء أن يحرص على الابتعاد عن أمرين يشكلان حساسية للجمهور، وهما الدين والسياسة، ومهما علا قدر هذا الفنان فإن انزلاقه لأى من الاثنين مهما كان يملك من خلفية كبيرة وأسانيد قوية فإن شعبيته وجماهيريته تكون على المحك، فنانون كبار وقعوا فى هذا الشَرَك منهم من استطاع أن يقاوم الرياح ويستعيد مكانته، ومنهم من سقط وانتهى وطواه النسيان.

لعل أبرز مثال الأزمة الكبيرة التى تعرض لها الفنان نور الشريف فى أوائل التسعينات حين قام ببطولة فيلم ناجى العلى، الذى تعرض على أثره لحملة ضارية كادت أن تودى بمستقبله الفنى إلى الأبد، وصفها نور الشريف نفسه بالمذبحة، ومن المؤكد أن هذه الحملة كان وراءها من يريدون القضاء على الفنان الكبير، وكان هذا الفيلم الردىء فرصتهم الذهبية.

فقد لعب نور الشريف دور رسام الكاريكاتير الفلسطينى ناجى العلى، الذى كان يعمل فى إحدى الصحف الكويتية، وتم اغتياله فى لندن عام 1987، وقد أساء كثيراً لمصر وللرئيس السادات بعد مبادرة السلام فى رسوماته المنشورة فى الصحف الكويتية.

هناك أيضاً فنانون انزلقوا وراء جماعة الإخوان، وساروا فى ركابهم أملاً فى الحصول على فرص أكبر، وقد زايدوا حتى رحلوا وراء ذيولهم إلى تركيا ولندن، وأصبحت عودتهم إلى وطنهم شبه مستحيلة، لأنهم تمادوا حتى فقدوا كل شىء فلا عملوا بالسياسة ولا نجحوا فى الفن وتحولوا إلى لاجئين مشردين فى بلاد الغربة، لا يتذكر أحد حتى أسماءهم.

لهذا، فإن ما أقدم عليه مؤخراً الفنان الكبير ياسر جلال من اعتذار عما صرح به فى مهرجان وهران السينمائى هو ذكاء وحكمة، فهو لم يضع وقتاً طويلاً، ولم يحاول أن يلف أو يدور أو يتفلسف، وهو سلوك محترم يفتقده الكثيرون سواء فى المجال الفنى أو فى غيره من المجالات. خاصة أن ما صرح به فى المهرجان يفتقر إلى الحقيقة كلية، وهو أنه سمع من والده أنه فى أعقاب نكسة 1967، انتشرت شائعات أن مظليين من الجيش الإسرائيلى سوف يهبطون فى ميدان التحرير لإثارة الذعر، وعلى الفور قامت الجزائر بإرسال قوات صاعقة لحماية المدنيين من الشعب المصرى.

الحقيقة أن القصة ساذجة ولا يصدقها أحد، بمن فيهم الجزائريون أنفسهم، كما أنه من المؤكد أننا كمصريين نحمل للشعب الجزائرى كل المشاعر الطيبة، لكن مع الأسف هذا التصريح غير الصحيح يأتى فى أعقاب تسريب للرئيس جمال عبدالناصر لم يمر عليه عدة أسابيع كان كله يدور حول حجم الألم والتأثر الذى أصاب الرئيس الراحل بسبب تخلى الجزائر وعدد من الدول العربية عن تنفيذ وعودها لمصر فى وقت كانت تواجه فيه العدو منفردة، وقد ضحت بخيرة شبابها وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية على مدى عقود. ومن الغريب أن الرئيس عبدالناصر كان يختص الرئيس الجزائرى بمرارة شديدة سببها له بمواقفه السلبية.

كنت أفضّل أن يتناول الفنان الكبير ياسر جلال الدور المصرى فى ثورة الجزائر، وهو دور تاريخى يقدره الشعب الجزائرى، وأن تكون خلفيته التاريخية أفضل مما هو عليه، وإن لم يستطع هو وغيره من الفنانين فمن الأفضل الابتعاد عن السياسة والتاريخ لأنهما شَرَك كبير لا يمكن الخروج منه بسهولة، صحيح أنه قد استدرك خطأه واعتذر عنه، ولكن ليس فى كل مرة تمر الأمور بسلام.