أشرف عبدالهادي يكتب: الوعي سلاح المستقبل
أشرف عبدالهادي يكتب: الوعي سلاح المستقبل
لم يكن افتتاح المتحف المصرى الكبير حدثاً ثقافياً عالمياً فحسب، بل هو لحظة فارقة فى معركة الوعى التى تخوضها مصر منذ سنوات؛ فبينما تتجه أنظار العالم إلى هذا الصرح الحضارى الفريد الذى يقف شامخاً على أعتاب الأهرامات، يتجاوز المعنى حدود العرض المتحفى إلى إعادة تعريف المصرى لذاته، وتذكيره بمكانته ومكانة بلاده فى مسيرة الحضارة الإنسانية.
كانت الرسالة واضحة منذ بدأ التفكير فى مشروع المتحف الكبير: مصر لا تكتفى بأن تكون صاحبة التاريخ، بل تصر على أن تكون صانعة المستقبل. كان الهدف ألا يكون المشروع استثماراً فى السياحة فقط، بل فى الهوية والوعى؛ فكل قطعة تُعرَض، وكل قصة تُروى فى قاعات المتحف، تشكل لبنة فى بناء وعى جمعى جديد يستند إلى المعرفة بدلاً من التلقين، وإلى الفخر بجذور هذه الحضارة بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.
فمعركة الوعى ليست شعاراً نظرياً؛ إنها مواجهة يومية بين ثقافة الانبهار السطحي، وثقافة الفهم العميق للجذور. والمتحف الكبير -بما يقدمه من تجربة بصرية وعلمية متكاملة- يمثل نموذجاً عملياً لاستعادة هذا الفهم، فحين يرى الزائر كيف تطورت الفنون، والعمارة، والعلوم فى مصر القديمة، يدرك أن التقدم لم يكن يوماً طارئاً على الشخصية المصرية، بل هو جزء أصيل من تكوينها.
لكن ما بعد الافتتاح لا يقل أهمية عن لحظة الافتتاح ذاتها؛ إذ يجب أن يتحول المتحف الكبير إلى مدرسة وطنية مفتوحة، تُعيد وصل الأجيال الجديدة بجذورهم، وتزرع فيهم الاعتزاز بالذات من دون تعالٍ على الآخرين، كما يجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية أن تتبنى هذا الصرح كمنصة لبناء الوعى، من خلال برامج تعليمية، ومحتوى ثقافى، وتجارب رقمية تفتح باب المعرفة على مصراعيه.
لم يكن مشهد التزاحم على أبواب المتحف المصرى الكبير مشهداً عابراً أو فوضوياً كما قد يراه بعض الكارهين أو الحاقدين، بل كان دليلاً حياً على توق المصريين إلى ملامسة جذورهم واستعادة حكايتهم بأيديهم. فمن التلاميذ الذين يأتون فى رحلات مدرسية مفعمة بالدهشة، إلى العائلات التى تقطع المسافات من أقصى الصعيد والدلتا، إلى الشباب الذين يقفون طوابير طويلة لالتقاط صورة أمام تمثال رمسيس الثانى؛ كلهم يشكلون لوحة وطنية واحدة تعبر عن تعطش المصريين للمعرفة والانتماء.
هذا التدفق الشعبى نحو المتحف لا يُقاس بعدد الزوار، بل بما يعكسه من تحول فى الوعى؛ فالمصرى اليوم لا يكتفى بسماع قصة أجداده، بل يريد أن يعيشها، يتأملها، ويفهمها. فى هذا المشهد العفوى تتجلى روح الهوية المصرية؛ هوية لا تُختزل فى شعار أو علم، بل تتجسد فى هذا الشغف بالحضارة، وفى تلك الرغبة الصادقة بأن يكون الماضى بوابة عبور إلى المستقبل.
فى زمن تتكاثر فيه أدوات التضليل والتفاهة، يصبح الاستثمار فى الوعى هو المعركة الحقيقية. والمتحف المصرى الكبير يمكن أن يكون مركز هذه المعركة: فهو يقدم السردية المصرية كما يجب أن تكون، سردية حضارة امتدت آلاف السنين، ولم تنكسر أمام الغزاة، بل امتصَّتهم وصاغت من وجودهم جزءاً من نسيجها.
إن معركة الوعى تبدأ من استرداد السردية الوطنية، من تعليم الطفل أن أجداده بنوا أعظم صروح المعرفة قبل آلاف السنين، وأن مسئوليته أن يحافظ على هذا الإرث ويطوره. هنا يصبح المتحف الكبير ليس مجرد مبنى من الحجر والزجاج، بل رمز لنهضة فكرية تؤكد أن الماضى ليس عبئاً، بل طاقة دافعة للمستقبل.
إننا الآن نعيش لحظة امتحان لوعينا الجمعى: هل نكتفى بالاحتفاء بالمظهر، أم نستثمر الجوهر؟ فالمتحف ليس نهاية مشروع، بل بداية رحلة وعى جديدة تُعيد للمصرى مكانته التى يستحقها بين الأمم، فهو وريث الحضارة، وصانع المستقبل.