نص موضوع خطبة الجمعة اليوم.. «هلّا شققْتَ عنْ قلبِهِ» و«خطورة الرشوة»

كتب: أحمد البهنساوى

نص موضوع خطبة الجمعة اليوم.. «هلّا شققْتَ عنْ قلبِهِ» و«خطورة الرشوة»

نص موضوع خطبة الجمعة اليوم.. «هلّا شققْتَ عنْ قلبِهِ» و«خطورة الرشوة»

نشرت وزارة الأوقاف نص موضوع خطبة الجمعة اليوم، إذ تتضمَّن الخطبة موضوعين، الأول بعنوان «هلّا شققْتَ عنْ قلبِهِ»، بينما يتحدث موضوع الخطبة الثانية عن «خطورة الرشوة».

هلّا شققْتَ عنْ قلبِهِ

وقالت وزارة الأوقاف في نص خطبة الجمعة اليوم عن موضوع هلّا شققْتَ عنْ قلبِهِ: إنَّ تعاليمَ الإسلامِ هي النور الهادي، والحصنُ الواقي، والملاذُ الآمنُ، الذي يغمرُ أرواحَنا بالسكينةِ، ويُنعشُ مجتمعَنا بالرحمةِ، فجوهرُ هذا الدينِ يدعو المؤمنَ ليكون ينبوعَ رحمةٍ، وغيثَ أمانٍ، لا سيفَ شِدَّةٍ ولا منبعَ عدوانٍ، ولقد جاء التوجيهُ المحمديُّ ليؤكدَ حقوقَ الإنسانِ، ويجعلَ التعاملَ بين الناسِ قائمًا على البصيرةِ لا على ظنونٍ تورِدُ المهالكَ، فالتشددُ مرفوضٌ، والحكمُ على النوايا حَرَمٌ لا ينبغي تجاوزه في أيِّ نزاعٍ، فكيفَ لنا أن نطلقَ الأحكامَ على الضمائرِ ونحن لا ندركُ السرائرَ، وهو وحده يبلو خفيّات الضمائر؟ فلا بدَّ أن نتبنى أخلاقَ القرآنِ، وأن نبتعدَ عن التسرعِ والتجني تحتَ شعارِ الاستعلاءِ بالإيمانِ، لذلك كان السؤالُ النبويُّ الخالدُ الذي أنكرَ فيه الجنابُ المعظمُ صلى اللهُ عليهِ وآله وسلمَ فعلَ سيدِنا أسامةَ عندما طلب أحدهم الأمان بكلمة التوحيد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فرأى سيدنا أسامة رضي الله عنه أن الرجل قالها خوفًا من السلاح فقتله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا؟ أَمْ لَا؟»، فليس بعد هذا الكلمِ المعظَّمِ غايةٌ في التنبيهِ على وجوبِ احترامِ الحياةِ البشريةِ، وحسن الظن بالخليقة، وعدمِ الانسياقِ خلفَ الظاهرِ انقيادًا للظنِّ واتِّباعًا للهوَى.

أيها المكرمُ: إن تعاليم الإسلام وتوجيهاته هي الكهف الحصين، والمنهج القويم للإنسانيةِ، أَلَمْ يقفِ الجنابُ المعظمُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في خطبةِ الوداعِ ليعلنَ الميثاقَ العالميَّ الأولَ لحقوقِ الإنسانِ؟ أَلَمْ يجعلِ النبيُّ دمَ المؤمن أشدَّ حرمةً عند اللهِ من الكعبةِ، فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا».

أليست كلماتُه الإنسانيةُ الخالدةُ في جنازةِ اليهوديِّ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» تنسفُ كلَّ عنصريةٍ؟ أَلَمْ يكن هذا التعاملُ النبويُّ الراقي هو الحافظَ لحقِّ الكرامةِ الإنسانيةِ الشاملةِ؟ فتخيَّرْ منهجَ التسامحِ والسترِ، وابتعدْ عن الحكمِ على الخلقِ بالظنِّ، واتهامِ الناسِ بغيرِ حقٍّ، والتمسِ العذرَ لغيرِك، ولا تبحثْ عن عيوبِ الناسِ قبل أن تنظرَ في عيوبِ نفسِك، واستمعْ إلى هذا النداءِ الإلهيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتنبُوا كَثيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.


أيها النبلاءُ، اغرسوا في قلوبِ أبنائِكم تعظيمَ حرمةِ الدماءِ والأعراضِ، علِّموهم حفظَ اللسانِ والجَنانِ، وعدمَ الخوضِ في نوايا الناسِ، انشروا ثقافةَ الحوارِ والرحمةِ والتسامحِ وحسنَ الظنِّ بالآخرينَ، ذكِّروهم أن ميزانَ التفاضلِ الحقيقيّ هو التقوى والعملُ الصالحُ، لا الظنونُ التي تنسفُ الألفةَ، ولا الاتهاماتُ التي تَهدِمُ كيانَ المجتمعِ، اجعلوا الحُسنى في التعاملِ مع الخلقِ والتماسِ الأعذارِ عنوانَ حياتِكم، فمبدأُ «هلا شققتَ عن قلبِه» ليس قصةً تُحكى، بل هو منهجُ حياةٍ يبني الإنسانَ، فليكنْ كلُّ واحدٍ منكم سفيرًا لرحمةِ الإسلامِ وعدلِه، ونموذجًا حيًّا للقيمِ الإسلاميةِ النبيلةِ، وتتبعوا هذا المنهجَ النبويَّ الفريدَ «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ».

خطورة الرشوة

أما موضوع الخطبة الثانية فيتناول خطورة الرشوة، وقد أكدت دار الإفتاء أن الرشوةُ داءٌ عضالٌ يفتكُ بجوهرِ الشريعةِ، ويقوِّضُ أسسَ المجتمعِ، فهي شهادةُ زورٍ يشتريها القويُّ ليسلبَ حقَّ الضعيفِ، وسمٌّ يلوِّثُ يدَ المسؤولِ ليقلبَ موازينَ العدلِ والإنصافِ، فهي البابُ الأعظمُ لأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ وإفسادِ الذممِ، وضياعِ الحقوقِ، فتدمِّرُ منظومةَ القيمِ، وتهدِّدُ العدالةَ وتكافؤَ الفرصِ، فتزرعُ الحقدَ وتجعلُ الإنسانَ بلا قيمةٍ، وتفتحُ أبوابَ الفسادِ على مصراعيها في كلِّ مؤسسةٍ، لذلك لم يكتفِ الشرعُ بتحريمِها، بل قرنَها بلعنةٍ تطاردُ دافعَها ومُرتشِيَها، فجاءَ واضحًا لا لبسَ فيه: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» أي: المعطي والمعطَى له.

وتابعت الأوقاف: أليستِ الرشوةُ أكلًا لأموالِ الناسِ بالباطلِ وإعانةً صريحةً على الظلمِ؟ هل يطمئنُّ قلبٌ نبتَ لحمُه من سُحتٍ؟ كيف يرجو مجتمعٌ الخيرَ والبركةَ وقد حلَّ فيه دنسُ هذه الجريمةِ؟ أين ذهبَ الورعُ والخشيةُ من قلوبِ من ارتضَوا الرشوةَ ثمنًا لخدمتِهم أو وظيفتِهم؟ ألم يسمعْ هؤلاءِ هذا التحذيرَ الإلهيَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

وقالت الوزارة إنَّ مواجهةَ الرشوةِ ليست عملًا تطوعيًّا، بل هي فريضةٌ اجتماعيةٌ تقعُ على عاتقِ كلِّ من اؤتُمِنَ على مسؤوليةٍ، فكيف يمكنُ لأمةٍ أن تنهضَ إذا كان الموظفُ يعملُ بالمالِ الحرامِ ويتخلى عن نزاهتِه؟ إنَّ واجبَنا يقتضي منا أن نكونَ قَوَّامينَ بالقسطِ، نشهدُ بالحقِّ وننطقُ به، فلنربِّ أنفسَنا وأبناءَنا على أنَّ المالَ الحرامَ شرٌّ ووبالٌ، وأنَّ ما يأخذُه الموظفُ بغيرِ حقٍّ بعد راتبِه المشروعِ هو خيانةٌ وغلولٌ، فلنجعل مجتمعنا نظيفًا، ولنفتحْ أبوابَ الشفافيةِ والمحاسبةِ، ونستمدَّ العونَ من قوةِ إيمانِنا، ومن دعاةِ صدقٍ في محاربةِ الفسادِ، فالنزاهةُ هي أساسُ عزَّتِنا وكرامتِنا في الدنيا والآخرةِ.