ممداني.. العمدة الذي كسر هالة «الحصانة الإسرائيلية»
لم يكن أحد -عاقلاً كان أم حالِماً تغمره شطحات الجنون أو تلامسه أوهام التفاؤل- يتخيل أن يأتى يوم على مدينة نيويورك، معقل النفوذ اليهودى العالمى وواحدة من أهم قواعد أصحاب المليارات والمؤثرين فى الانتخابات الأمريكية، وتصل إلى لحظة يحكمها فيها رجل مسلم، معتز بإسلامه قولاً وفعلاً، لا لمجرد جذور بعيدة بل بهوية صريحة وواضحة.
زهران ممدانى، مرشح الحزب الديمقراطى والعمدة الجديد البالغ من العمر 34 عاماً، أصبح أصغر من يتولى هذا المنصب منذ قرن، وأول سياسى من أصول جنوب آسيوية يقود المدينة فى تاريخها الممتد لأربعمائة عام.
وبالطبع، فإن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يُعد أشد خصوم ممدانى. فقد وصفه سابقاً بأنه «فظيع»، «سيئ السمعة»، و«مجنون تماماً». وأكد ترامب أن ممدانى -بصفته عمدة نيويورك- سيواجه مشاكل مع واشنطن لم يشهدها أى عمدة من قبل، وهدد علناً بحجب الأموال الفيدرالية عن المدينة، واصفاً وعود ممدانى بـ«الشيوعية الزائفة».
يضاف إلى ذلك القلق داخل الأوساط اليهودية فى نيويورك، خاصة بعدما حصد ممدانى تأييداً واسعاً من الجالية المسلمة المحلية، التى طالما واجهت تهمة «معاداة السامية». وفى كتاب صدر عام 2004 بعنوان «المسلم الصالح والمسلم الشرير: أمريكا والحرب الباردة وجذور الإرهاب» كتب والد زهران أن الانتحاريين ينبغى النظر إليهم كـ«فئة من المقاتلين» بوصفهم أحد إفرازات العنف السياسى المعاصر، بدلاً من تصويرهم كـ«وحوش».
مواقف زهران ممدانى من القضية الفلسطينية واضحة وصريحة، تصريحاته المنتقدة لإسرائيل معروفة، وهو يهاجم باستمرار الدعم غير المشروط الذى تقدمه واشنطن لتل أبيب، داعياً إلى «سياسة متوازنة تحترم الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطينى»، ولهذا فإن صعوده إلى واجهة المشهد السياسى فى أكبر مدينة أمريكية يشكل ضربة قوية للجماعات الصهيونية المؤثرة فى نيويورك، التى لطالما هيمنت على السياسات المحلية والتمويل الانتخابى.
ومما زاد من غضب هذه الجماعات أنه صرَّح باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إذا زار المدينة، فهى خطوة جريئة تطرح السؤال الكبير: هل يفعلها فعلاً؟
ولم تكن مصر بعيدة عن اهتمام ممدانى، ففى صيف عام 2013 زار القاهرة وأقام لأسابيع قرب ميدان التحرير، حيث تابع عن قرب أجواء ما بعد ثورة يناير وتحولات المشهد السياسى المصرى. كانت تلك الزيارة بالنسبة له محطة مهمة لفهم ما يجرى فى المنطقة، وتركت أثراً واضحاً فى رؤيته لقضايا العدالة وحقوق الإنسان فى الشرق الأوسط. ولذلك بقيت مصر -بموقعها وتجربتها السياسية- حاضرة فى ذاكرته وتكوينه الفكرى، رغم انشغاله لاحقاً بالعمل السياسى داخل الولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، استقبلت الأوساط العربية والإسلامية فى الولايات المتحدة والعالم العربى فوزه بترحيب واسع، معتبرة إياه انعكاساً لتحول فى المزاج الأمريكى، وصعوداً لأصوات الجيل الجديد الرافض لسياسة الكيل بمكيالين فى ملفات الشرق الأوسط، ويرى كثيرون أن انتخابه قد يفتح الباب لحوار أوسع بين واشنطن والعواصم العربية حول قضايا العدالة وحقوق الإنسان، خاصة إذا استمر فى خطابه النقدى للسياسات الأمريكية التقليدية التى تقدم المصالح على المبادئ.
لكن فوز ممدانى لا يخلو من التحديات، فمن المتوقع أن يواجه هجوماً سياسياً وإعلامياً شرساً، خصوصاً من اليمين الأمريكى وأنصار ترامب، الذين ينظرون إليه كرمز «لليسار المتطرف». العلاقة بينه وبين ترامب ستكون بلا شك مشحونة، فكل منهما يمثل نقيض الآخر: الأول ينادى بالعدالة الاجتماعية وتعددية المجتمع، والثانى يرفع شعار «أمريكا أولاً» بمعناه القومى المتشدد، ولذلك قد تتحول المواجهة المقبلة بينهما إلى صراع رمزى بين مدينتين.. نيويورك الليبرالية وواشنطن المحافظة.
سياسياً، يشير فوز ممدانى إلى تحول فى المزاج الأمريكى العام، وإلى أن جيل الشباب والمهاجرين والأقليات باتوا قوة حقيقية فى دوائر صنع القرار. اقتصادياً، وعد ممدانى بإعادة توزيع الثروة، وتحسين الخدمات العامة، وإصلاح سياسات الأمن والإسكان التى فشلت فيها إدارات سابقة.
فى النهاية يبدو أن فوز زهران ممدانى ليس مجرد انتصار انتخابى، بل بداية مرحلة جديدة فى السياسة الأمريكية، مرحلة يعلو فيها الصوت التقدمى المتعاطف مع العالم العربى فى مواجهة اللوبيات التقليدية والنفوذ الإسرائيلى الراسخ. وإذا استطاع الصمود أمام العواصف المقبلة، فقد يتحول إلى نموذج جديد للسياسى الأمريكى الذى يوازن بين مبادئ العدالة فى الداخل والانفتاح على العالم الخارجى بروح تقوم على الإنصاف والإنسانية.