خطة المتطرفين: التوظيف بديلا عن التجنيد

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

تعمل جماعات التطرف على نشر أفكارها عبر مسارين متوازيين، يؤديان إلى نتيجة واحدة: توسيع دائرة التأثير، وزيادة حضور الفكر المتشدد فى المجتمع.

أما المسار الأول فهو الدعوة الفردية، وهو الشكل التقليدى الذى تسعى فيه الجماعة إلى استقطاب أفراد جدد يلتزمون بها تنظيمياً.

تبدأ العملية عادةً بتعاطف بسيط مع خطابهم، ثم يتطور الأمر تدريجياً إلى التزام كامل: حضور لقاءات، تنفيذ تعليمات، قبول تكليفات، ثم التدرج فى السلم التنظيمى ليصبح الشخص عنصراً فاعلاً يحمل أهداف الجماعة ويدافع عنها، وربما يتقدم لاحقا ليصبح مسئولاً أو قيادة صغيرة، هذا المسار مباشر، واضح، لكنه محدود التأثير؛ لأنه يعتمد على ضم أفراد إلى التنظيم نفسه.

أما المسار الثانى فهو أخطر وأكثر انتشاراً، وهو الربط بالمشروع لا بالتنظيم، أو ما يمكن تسميته بالاستقطاب غير المباشر، وهنا لا تهتم الجماعات بانضمام الناس إليها رسمياً، بل تركز على نشر أفكارها بين عموم الناس، دون أن تطلب منهم عضوية أو التزاماً تنظيمياً، وقد رفعوا شعار (لا للتجنيد.. نعم للتوظيف).

والمقصود بالتوظيف أن يتبنى الناس أفكار الجماعة وقناعاتها فى عدد من القضايا، حتى لو كانوا رافضين للجماعة نفسها أو منتقدين لها، وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ لأن الفكرة المتطرفة تتحول إلى «ثقافة عامة» يتداولها الناس دون وعى بمصدرها، فيصبح الفرد غير المنتمى تنظيمياً أكثر تشدداً من أعضاء التنظيم أنفسهم، ويقف مواقف تتسق مع منهج الجماعة رغم أنه يرفضها ظاهرياً!

وقد يموت التنظيم فى بلد ما أو يتعرض لضربات أمنية أو مجتمعية، لكن المشروع الفكرى يبقى حياً فاعلاً داخل العقول؛ لأن الأفكار تحولت إلى جزء من طريقة التفكير اليومية، بل أصبحت مواقف جاهزة يتبناها الناس تلقائياً.

وفى وثيقة صادرة للإخوان سنة 2021م، جاء نص واضح يدعو إلى تحويل الجماعة إلى تيار فكرى لا تنظيم، من خلال تخفيف القيود، وتقليل الهياكل، والتركيز على المجتمع لا على العضوية، ودعت الوثيقة إلى نشر ثقافة الاعتراض على كل شىء، والتشكيك فى المرجعيات الدينية والعلمية، وإثارة الشائعات، وخلق فجوة بين المواطن والدولة، بل وبين المواطن وعلمائه أصحاب الفكر الوسطى. الهدف كان بسيطاً: أن ينتشر المشروع حتى لو انتهى التنظيم.

وهنا تأتى أهمية إدراك الفارق الكبير بين رفض التطرف والتفكير بطريقة المتطرفين، فقد يرفض شخص هذه التيارات لفظياً، لكنه لا ينتبه إلى أنه يتبنى خطابها، ويكرر رؤيتها، ويعيد إنتاج طريقة تفكيرها دون أن يكون عضواً فيها.

ويعبِّر الأستاذ عمرو عبدالحافظ فى كتابه «الخروج من سجن الإخوان» عن هذه الظاهرة بتشبيه دقيق، حين قال إن الجماهير قد تشجع فريقاً رياضياً بحماس شديد، رغم أنها ليست جزءاً من مجلس إدارة النادى، لكنها فى النهاية تنتمى للمشروع دون أن تنتمى للتنظيم.

إن خطورة التطرف اليوم لا تكمن فى قدرة التنظيمات على تجنيد عناصر جديدة، بقدر ما تكمن فى قدرتها على توظيف المجتمع، وبناء رأى عام يتنفس أفكارها دون أن يشعر، ولذلك لا يكفى أن نواجه التنظيمات، بل يجب أن نقدم مشروعاً بديلاً: مشروعاً يبنى الإنسان، ويعزز العقل، ويرسخ قيم الانتماء الإيجابى، ويقدم رؤية حضارية متوازنة تتجاوز مرحلة إطفاء الحرائق إلى مرحلة صناعة الوعى.