أشرف غريب يكتب: إسرائيل تسرق إبداعنا.. فماذا نحن فاعلون؟

كاتب صحفي

تستهوينى دائماً إعادة قراءة الصحف القديمة، ليس فقط بدافع التسلية وإن كان هذا لا يعيب، وإنما عن قناعة أيضاً بأن كل ما هو حاضر لا بد أن له جذوراً فى الماضى، وقد قرأت فى صحافة 1969 تفاصيل واقعة يمكن أن تفسر الكثير من حالات مشابهة تتكرر حتى يومنا هذا، فقد فوجئ المهتمون بالشأن السينمائى بأن دور العرض داخل إسرائيل تعرض فيلم «الخروج من الجنة» بطولة فريد الأطرش وهند رستم عن قصة توفيق الحكيم وإخراج محمود ذو الفقار، رغم حالة الغليان السياسى حينها بين مصر والكيان الإسرائيلى فى أعقاب هزيمة يونيو 1967، لا سيما أن الفيلم قد أنتجته المؤسسة المصرية للسينما قبل تلك الواقعة بسنة واحدة (قطاع عام)، وليست شركة إنتاج خاصة قد تكون أبرمت اتفاقاً سرياً مع جهة ما داخل إسرائيل.

وحينما تتبع مسئولو مؤسسة السينما الأمر تبين لهم أن المؤسسة كانت قد اتفقت مع موزع خارجى على عرض الفيلم فى صالات المملكة الأردنية الهاشمية، وأنها قد شحنت بالفعل ثلاث نسخ من الفيلم إلى العاصمة الأردنية عمان عن طريق مطار بيروت، غير أن نسختين فقط من فيلم فريد الأطرش هما اللتان حملتهما طائرة الخطوط الجوية الأردنية من مطار بيروت، فيما اختفت الثالثة فى ظروف مجهولة، وهى التى وصلت إلى إسرائيل وتم عرضها هناك قبل كثير من دول المشرق العربى والشمال الأفريقى.

هذه الواقعة ليست عابرة أو فردية، فقد سبقتها ولحقت بها حالات أخرى كثيرة، والذين كانوا يستقبلون إرسال التليفزيون الإسرائيلى قبل زمن الأقمار الصناعية، وخاصة فى المناطق الساحلية بمصر، كثيراً ما تحدثوا عن روائع الأفلام المصرية التى دأب التليفزيون الإسرائيلى على عرضها ظهر يوم الجمعة من كل أسبوع، والذى علمته فى هذا الشأن أن نسخ الأفلام المصرية كان يتم تسريبها فى الماضى إلى داخل إسرائيل عن طريق إما الجنوب اللبنانى وإما عن طريق الضفة الغربية لنهر الأردن، فما بالنا وقد أصبحت عملية النسخ الرقمى والمعالجات التقنية أكثر تقدماً وسهولة فى زمن الإنترنت والسماوات المفتوحة؟

وفى تسعينات القرن الماضى أثارت الجهات الرسمية المصرية هذه القضية مع الجانب الإسرائيلى، فجاء ردهم عن طريق وزيرة الاتصالات فى ذلك الوقت واسمها «شولاميت ألونى»، وكانت زعيمة لحزب «ميريتس اليسارى التقدمى» فى إسرائيل، بأنها على استعداد لبحث هذا الأمر مع الجانب المصرى من أجل تقنين عرض الأفلام المصرية فى إسرائيل وإعطاء أصحاب هذه الأفلام حقوقهم، وأذكر أننى تحدثت -فى حينه- مع الفنان الراحل نور الشريف عن إمكانية جلوسه معهم حماية لحقوقه فى الأفلام التى قام بإنتاجها، مثل «دائرة الانتقام وقطة على نار وضربة شمس وحبيبى دائماً» وغيرها، فكان رده قاطعاً وجازماً بأنه مستعد أن يقبل بسرقة أفلامه على أن يجلس مع هؤلاء على طاولة واحدة، وأن هناك قراراً واضحاً من الاتحاد العام للنقابات الفنية بعدم التطبيع مع العدو الإسرائيلى، فلما ذهبت إلى الراحل سعد الدين وهبة، الذى كان رئيساً للاتحاد العام، قال لى إنها حيلة خبيثة من جانبهم من أجل جرنا كفنانين إلى مفاوضات مباشرة معهم بهدف كسر طوق المقاطعة.

ولم يقتصر الأمر فقط على سرقة أفلامنا، فقد دأبت الإذاعة العربية الإسرائيلية (صوت إسرائيل من أورشليم القدس) منذ بداية إرسالها بعد أشهر قليلة من احتلال فلسطين على تقديم روائع تراثنا الغنائى ونوادره، ولا تزال تسير على هذا النهج حتى يومنا هذا، حيث تواكب كل ما هو جديد فى إنتاجنا الغنائى العربى وليس المصرى فقط، لا سيما أن أشرطة وأسطوانات هذه الأغنيات متاحة بسهولة فى الأسواق العربية والعالمية، ومن السهل اقتناؤها ووصولها إلى أثير الإذاعة هناك، غير أنه إذا كانت عملية البحث عن الحقوق المصرية فى الأفلام التى تسرقها إسرائيل تبدو معقدة وأكثر حساسية، فى ظل غياب أى دور واضح لغرفة صناعة السينما المصرية فى هذا الملف، فإن الأمر قد يكون أكثر سهولة بالنسبة لحقوقنا الموسيقية والغنائية من دون أن يكون لنا تماس مع الجانب الإسرائيلى فى أى مفاوضات أو اتفاقيات مباشرة، عن طريق جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين الدولية فى باريس (ساسيم)، التى تتولى الدفاع عن حقوق مبدعى الموسيقى والغناء فى العالم، والسؤال هنا للصديق العزيز الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية المؤلفين والملحنين فى مصر (ساسيرو)، وأنا أعرف جيداً موقفه الوطنى الواضح والراسخ وموقف آل العدل عموماً من قضية التطبيع مع إسرائيل: هل تصل إلى الجمعية المذكورة فى مصر عن طريق المقر الرئيسى فى فرنسا أى حقوق أداء علنى تخص المبدع المصرى، جراء سرقته العلنية والمبيتة من جانب وسائل الإعلام المختلفة والمنصات الرقمية فى إسرائيل؟

وإلى أن تصلنى إجابة شافية من الدكتور مدحت العدل فإننى أدعو المخرج الكبير عمر عبدالعزيز، رئيس الاتحاد العام للنقابات الفنية، هو والنقباء الثلاثة للموسيقيين والسينمائيين والممثلين للبحث عن سبل قانونية بعيداً عن أى تطبيع، تضمن لنا حقوقنا الأدبية والمادية فى مصنفاتنا الفنية، مع الجزم بصعوبة الأمر مع أناس يسرقون الأرض والأوطان وليس فقط حقوق المبدع المصرى والعربى.