اليسار الأمريكي يوجه تحذيرا إلى إدارة ترامب.. و«الكونجرس» يستعد لانتخابات التجديد

كتب: محرر

اليسار الأمريكي يوجه تحذيرا إلى إدارة ترامب.. و«الكونجرس» يستعد لانتخابات التجديد

اليسار الأمريكي يوجه تحذيرا إلى إدارة ترامب.. و«الكونجرس» يستعد لانتخابات التجديد

كتبت : دينا أبو زهرة

على وقع تحولات سياسية عميقة تشهدها الولايات المتحدة، وفى لحظة فارقة تسبق انتخابات التجديد النصفى بعام واحد، وجّه «اليسار الأمريكى» صفعة قوية لإدارة الرئيس دونالد ترامب والجمهوريين، معلناً عن عودة قوية للديمقراطيين على امتداد ثلاث ولايات رئيسية، شكلت تاريخياً موازين القوى داخل المشهد الأمريكى، حيث أسفرت انتخابات «نيويورك وفيرجينيا ونيوجيرسى» عن انتصارات وُصفت بـ«التاريخية»، لم تقتصر على إعادة رسم خريطة التوازن الحزبى فحسب، بل حملت رموزاً ودلالات ثقافية واجتماعية عميقة؛ أبرزها انتخاب زهران ممدانى كأول مسلم يتولى رئاسة بلدية نيويورك، فى مؤشر على تحوّل المزاج الشعبى الأمريكى نحو قيم التنوع والتمثيل الحقيقى، وفى الوقت الذى يرى فيه مراقبون أن هذه النتائج تمثل تحذيراً صارماً لإدارة ترامب، ونذراً لتغيرات كبرى فى معادلة السلطة بالولايات المتحدة، يصفها آخرون بأنها بداية «موجة زرقاء» جديدة، تعيد الاعتبار للتيار التقدمى، وتكشف عن تصدع واضح فى القاعدة الانتخابية الجمهورية، لتبدو أمريكا اليوم على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، يُعاد فيها تعريف مَن يمثل الشارع الأمريكى، ومَن يمتلك زمام المستقبل، قبل عامٍ حاسم من معركة الكونجرس المقبلة.

واعتبرت صحيفة «واشنطن بوست» أن ولايتى فيرجينيا ونيوجيرسى ومدينة نيويورك شهدت تحولاً حاداً نحو اليسار فى الانتخابات التى جرت منتصف الأسبوع الماضى، حيث اكتسح المرشحون الديمقراطيون المشهد، بعد أن ركزوا حملاتهم على قضايا المعيشة وتكلفة الحياة، مستفيدين من حالة الإحباط المتزايدة تجاه الرئيس دونالد ترامب، مشيرةً إلى أن مدينة نيويورك شهدت مشاركة أكثر من 2 مليون ناخب، وهو أكبر عدد منذ عام 1969، فى التصويت لاختيار المرشح الاشتراكى الديمقراطى زهران ممدانى لمنصب عمدة المدينة، فى مشهد يعكس مدى رفض الناخبين للحاكم السابق للولاية، أندرو كومو، الذى كان يوماً رمزاً للحزب الديمقراطى، والذى خاض الانتخابات العامة لعام 2025 مستقلاً، بعد خسارته فى الانتخابات التمهيدية للحزب.

«موجة زرقاء» تعيد الاعتبار للتيار التقدمى وتكشف عن تصدعات فى القاعدة الانتخابية

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أنه قبل أربع سنوات فقط، شهد الجمهوريون موجة دعم واسعة، منحتهم منصب حاكم ولاية فيرجينيا، بينما أبقت السباق فى نيوجيرسى أقرب بكثير مما توقع الديمقراطيون، فيما حل «ديمقراطى معتدل» محل آخر «ديمقراطى أكثر ليبرالية» فى بلدية نيويورك، لكن هذه المرة تحول الزخم بوضوح فى الولايات الثلاث لصالح الديمقراطيين، وجناحهم اليسارى داخل الحزب.

فى ولاية فيرجينيا، حققت الديمقراطية «أبيجيل سبانبرجر» أداءً لافتاً، إذ تفوقت فى كل مقاطعة ومدينة مستقلة على الديمقراطى «تيرى ماكوليف»، الذى خسر سباق حاكم الولاية أمام الجمهورى «جلين يونجكين» عام 2021، وبحسب تحليل لصحيفة «واشنطن بوست»، فقد تجاوزت «سبانبرجر» نتائج «ماكوليف» بفارق بلغ 13 نقطة مئوية عبر تلك المقاطعات، كما تفوقت «سبانبرجر» على «كامالا هاريس»، نائبة الرئيس السابق جو بايدن، ومرشحة الحزب الديمقراطى للانتخابات الرئاسية فى العام الماضى، فى أكثر من 95% من مقاطعات ومدن فيرجينيا المستقلة، متقدمةً عليها فى نسبة الأصوات بثلاث نقاط مئوية فى المتوسط، وتمكنت من قلب نتائج ست مقاطعات أو مدن كانت قد صوتت لـ«ترامب» العام الماضى، من بينها ثلاث كانت قد تحولت من «بايدن» إلى «ترامب»، وهى «برينس إدوارد، وسرى، ولينشبرج».

وأضافت الصحيفة أن مكاسب «سبانبرجر» اتسمت بالشمولية، إذ حققت تقدماً فى المناطق الديمقراطية، والمناطق المتأرجحة، وحتى داخل بعض معاقل الجمهوريين، مسجلة تحولات واضحة فى المناطق الريفية والضواحى والمدن الكبرى، ففى المناطق الحضرية الكبرى، مثل «واشنطن العاصمة، وريتشموند، وفيرجينيا بيتش»، فازت «سبانبرجر» بفارق نحو 700 ألف صوت، مقابل 251 ألف صوت لـ«ماكوليف» فى انتخابات 2021، كما قلبت «سبانبرجر» نتائج 15 مقاطعة خسرها «ماكوليف» سابقاً، معظمها تقع فى مناطق حضرية مثل «فيرجينيا بيتش، وستانفورد، وسبوتسيلفانيا»، التى فاز بها «يونجكين» قبل أربع سنوات بفارق 20 نقطة، وفى مقاطعات أخرى قلصت الفارق بشكل كبير، متفوقة على «ماكوليف» بما يقرب من 20 نقطة فى المناطق ذات الغالبية الجمهورية بجنوب غرب فيرجينيا، بما فى ذلك «بريستول ومونتجومرى»، أما فى مقاطعة «لودون» فقد حصدت «سبانبرجر» فوزاً كاسحاً بفارق 29 نقطة مئوية، مقارنةً بـ11 نقطة لـ«ماكوليف» قبل أربع سنوات، و16 نقطة لـ«هاريس» العام الماضى، كما تمكن المرشح الديمقراطى لمنصب المدعى العام «جاى جونز» من التفوق على أداء «هاريس» فى المقاطعة نفسها، رغم الانتقادات التى وُجهت إليه بسبب رسائل عنيفة كتبها قبل سنوات.

وفى ولاية نيوجيرسى، فازت الديمقراطية «ميكى شيريل» بفارق أوسع بكثير من الفارق الذى فاز به الحاكم الديمقراطى «فيل مورفى» قبل أربع سنوات، حين نجح بصعوبة فى تأمين فترة ولاية ثانية أمام الجمهورى «جاك تشيتاريلى»، وهو الخصم نفسه الذى واجهته «شيريل» هذه المرة، لكنها تفوقت عليه بأريحية أكبر، بعدما حصدت دعماً واسعاً فى معظم أنحاء الولاية، وتجاوزت «شيريل» أداء كل من «مورفى» و«هاريس» فى جميع مقاطعات الولاية، وحققت أفضل نتائجها فى المقاطعات التى كانت قد شهدت تحولاً كبيراً نحو «ترامب» فى العام السابق، مثل «باسايك، وهدسون»، حيث يشكل ذوو الأصول اللاتينية أكثر من 40% من السكان، فبعد أن حقق «ترامب» مكاسب كبيرة هناك العام الماضى، وتمكن من قلب «باسايك» لصالحه، جاءت «شيريل» لتفوز بالمقاطعتين معاً، متفوقة على «هاريس» بـ11 نقطة فى «هدسون»، و9 نقاط فى «باسايك»، كما فازت بأربع مقاطعات أخرى كانت قد صوتت لـ«ترامب» قبل عام.

أما فى مدينة نيويورك، فقد حقق «زهران ممدانى»، البالغ من العمر 34 عاماً، عضو الجمعية التشريعية للولاية، فوزاً ساحقاً على الحاكم السابق أندرو كومو، بفارق أكبر مما حققه قبل خمسة أشهر فى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطى، وتمكن «ممدانى» من توسيع تحالفه الانتخابى، الذى شمل الناخبين الشباب والمتعلمين فى الجامعات والمناطق الليبرالية فى «مانهاتن»، والأحياء المجاورة، التى تشهد تحوّلاً عمرانياً سريعاً، وأظهرت النتائج أن أداء «ممدانى» كان أفضل فى الدوائر التى تضم عدداً أقل من الناخبين فوق سن الستين، كما سجلت الدوائر ذات الكثافة الشبابية مشاركة أعلى من انتخابات 2021، وفاز «ممدانى» فى أربع من المقاطعات الخمس بالمدينة، فيما احتفظ «كومو» بالفوز الوحيد فى جزيرة «ستاتن»، التى تعد أكثر مناطق نيويورك محافظة، وصوتت لصالح «ترامب» فى جميع انتخاباته السابقة.

إعادة بناء التحالف الذى مكن العمدة «إريك آدامز» من الفوز قبل أربع سنوات

وأشارت «واشنطن بوست» إلى أن «كومو» حاول إعادة بناء التحالف الذى مكن العمدة «إريك آدامز» من الفوز قبل أربع سنوات، وهو تحالف يعتمد أساساً على الناخبين غير البيض والمحافظين فى الضواحى الخارجية، وقد تلقى «كومو» دعماً عندما انسحب «آدامز» من سباق هذا العام، وحصل على تأييد مفاجئ من «ترامب» الذى دعا الجمهوريين إلى التخلى عن مرشحهم «كيرتس سليوا» لصالح «كومو»، لكن تلك المناورة باءت بالفشل، إذ خسر «كومو» بفارق أوسع من إجمالى الأصوات التى حصل عليها «سليوا»، وفى «برونكس»، حقق «ممدانى» أكبر تقدم له مقارنة بـ«كومو»، رغم محاولات أنصار الأخير استغلال مواقفه المنتقدة للحرب الإسرائيلية على غزة لتقويض شعبيته، ومع أن قيادة الحزب الديمقراطى ترددت فى البداية فى تبنى حملته، فإن «ممدانى» نجح فى استقطاب دعم متنوع من مختلف أنحاء المدينة، بل واخترق مناطق كانت قد شهدت تقدماً لـ«ترامب» العام الماضى، كما سجل «ممدانى» مكاسب بارزة بين الناخبين السود واللاتينيين، إذ ارتفعت نسبة دعمه بمقدار 35 نقطة مئوية فى المناطق ذات الغالبية السوداء، و11 نقطة فى المناطق ذات الكثافة اللاتينية، مقارنة بالانتخابات التمهيدية.

ويرى الديمقراطيون أن هذه الانتصارات التاريخية، التى تحققت فى «عام غير انتخابى»، تمثل مؤشراً قوياً على استياء الناخبين من «ترامب» وإدارته، واستعدادهم لإعادة الأغلبية إلى الحزب الديمقراطى فى انتخابات التجديد النصفى المقبلة، حيث يسيطر الجمهوريون حالياً على مجلس النواب بعدد 219 مقعداً، مقابل 213 مقعداً للديمقراطيين، بينما قد تحدد نتائج عدد محدود من الدوائر من سيتولى زمام القيادة فى المعركة المقبلة لانتخابات التجديد النصفى للكونجرس.


مواضيع متعلقة