كيف استخدم المصريون القدماء الأفيون في الطب؟.. تحليل حديث يكشف مفاجآت

كتب: أمنية سعيد

كيف استخدم المصريون القدماء الأفيون في الطب؟.. تحليل حديث يكشف مفاجآت

كيف استخدم المصريون القدماء الأفيون في الطب؟.. تحليل حديث يكشف مفاجآت

من بين جدران مصر القديمة ظهر لغز جديد ليُشعل فضول العلماء بعد آلاف السنين، إذ كشفت دراسة حديثة عن وجود آثار لمواد أفيونية داخل مزهرية مرمرية نادرة، ما أعاد فتح ملف الاستخدامات الطبية والطقسية لدى المصريين القدماء، وبين دلائل كيميائية صادمة وتشكيك خبراء الآثار المصريين في صحة الفرضيات، يتحول الاكتشاف إلى سجال علمي مثير حول حقيقة تعاطي المصري القديم للأفيون كعلاج دقيق.

ويُعزى هذا الاكتشاف إلى حالة من الفضول العلمي تجاه ما سُمي بـ«البقايا العطرية» ذات اللون البني التي عُثر عليها داخل مزهرية أثرية مصنوعة من مادة المرمر، وبعد إجراء تحليل مفصل لهذه البقايا، كشفت النتائج، التي نُشرت في مجلة Journal of Eastern Mediterranean Archaeology، عن وجود عدد من المركبات الكيميائية الهامة، وهي: «النوسكابين، والهيدروكوتارنين، والمورفين، والثيباين، والبايبافيرين»، إذ تُعدّ هذه المركبات جميعها مؤشرات حيوية حاسمة تُثبت بما لا يدع مجالًا للشك وجود مادة الأفيون في المزهرية، بحسب صحيفة «إندبندنت» البريطانية.

وأشار الباحثون إلى أنّ اكتشافهم يفتح الباب أمام احتمال أن تكون الأواني المماثلة التي تعود إلى تلك الحقبة، بما في ذلك تلك التي تم العثور عليها داخل مقبرة الفرعون الشهير توت عنخ آمون، قد تحتوي بدورها على آثار للمواد الأفيونية.

استخدام المصريين القدماء للأفيون في العلاج

وأشار خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية في حديثه لـ«الوطن»، إلى أنّ المخدر في مصر القديمة له استخدامات طبية فقد أكد الطبيب وعالم المصريات البريطاني جون فرانسيس نون (1925-1996) على أنه كان مستخدمًا بشكل واسع في المسائل الطبية من خلال تحليل مجموعة أوراق بردية إبيرس التي يعود تاريخها إلى عام 1550 قبل الميلاد، وتعتبر هذه البردية واحدة من أقدم النصوص الطبية المعروفة في التاريخ ويبلغ طولها أكثر من مترين وتحتوي 877 فقرة في وصف أمراض مختلفة في فروع الطب المتنوعة مثل طب العيون والجهاز الهضمي وعلوم الأمراض وأمراض النساء وغيرها، وقد استخدم الأفيون المستخرج من الحشيش لأن كلمة shemshemet الهيروغليفية المذكورة في البردية لم تكن تعني شيئاً آخر سوى «القنّب».

وبحسب الطبيب ريتشارد فينر في كتابه «التعامل مع الألم: دليل عملي للأطباء»، فقد شكّل الحشيش على الدوام عنصرًا أساسيًا في الترسانة الصيدلانية المصرية القديمة حتى نهاية الحقبة المصرية القديمة من خلال وضعه مباشرة على الجلد أو العيون أو حتى بحرقه وتبخير المنزل به.

وبحسب عضو لجنة التاريخ والآثار، فقد ورد في ملف أعده متحف اللوفر الفرنسي عام 2011 عن «فن الطب المصري» أنّ دراسة هذه الوثيقة الاستثنائية لا تزال في بدايتها وأن النتائج المعروضة في الملف ستكون عرضة للتغير المستمر بالتوازي مع تقدم البحث العلمي، وأن المنطق العام لنصوص البردية لا يزال غير دقيق في هذه المرحلة، ورغم ذلك فهي تكرس أجزاء كبيرة لوصف لأورام وتوضيح أعراضها من حمى وألم وغيرها، وكذلك فقد اعتنت البردية بدراسة البثرات والدمامل والخراجات، لكن الملف يلاحظ أن المساهمة الرئيسية لهذه البردية هي تقديم توصيف تفصيلي لحالات طبية متعلقة بهذه الأمراض قدمت إسهامات مفيدة للغاية للطب الحديث.

مصر القديمة

المصريون القدماء لم يستخدموا الأفيون لـ«الكيف»

وأكد الدكتور ريحان بأنّه لم يرد أى تأكيدات عن استخدامات أخرى للأفيون فى مصر غير الاستخدامات الطبية ولم يتعاملوا معها على أنها «كيف»، وإنما كعلاج لبعض الأمراض كما عرفوا البيرة والنبيذ، وهذه الاستخدامات وردت في أوراق البردي، وقد استخدموا أيضًا نبتة الكنابس والأفيون والحشيش، وشجرة الصفصاف، والبذر خلة، كونها مسكنة للألم، وتحسن الحالة النفسية، أما الأفيون، تعاملوا معه في إطار كونه علاج من أصل نباتي، كما يتم استخدام المواد المخدرة حاليا في الطب فى جميع أنحاء العالم، واستخدم لبن ثمرة أبوالنوم الأفيون في تنويم الأطفال، أي مهدئ للأطفال، وهذه الأدوية لم تسجل على الجداريات، وإنما موجودة في البرديات، ونقلتها الكتب التي تتناول موضوعات الأدوية في الحضارة المصرية القديمة.

وعرف المصرى القديم مشروبات النبيذ والبيرة لكنهم نهوا عن الإكثار من شراب البيرة، وسجلوا «إياك أن تكثر من الشراب، لئلا يجعلك مثل المجداف المكسور»، أما النبيذ فصنعوه من العنب، وفي الجدارايات تم تسجيل أخذ العنب وهرسه بالأقدام، وتخميره.

ويشكك الدكتور ريحان فى الدراسة التى أجراها باحثون في متحف ييل بيبودي عن وجود أدلة قوية تؤكد أن تعاطي الأفيون كان ممارسة شائعة في الحياة اليومية للمصريين القدماء، وليس مجرد استخدام عرضي أو طقسي، موضحًا أنّهم بنوا أبحاثهم على فرضيات، إذ أشار الباحث الرئيسي، أندرو جيه كوه، إلى أن نتائج الدراسة توضح أن استخدام الأفيون كان جزءًا من الحياة اليومية في مصر القديمة، لافتًا إلى احتمال وجود آثار مماثلة داخل الأواني المرمرية في مقبرة الملك توت عنخ آمون، أى لم يثبت وجود أواني من مقبرة توت عنخ آمون تؤكد فرضيتهم.

ويشير البحث إلى العثور على آثار الأفيون في موقعين مختلفين أحدهما في مقبرة ملكية والآخر في مقبرة تجار بمدينة سيدمنت، يؤكد أن الأفيون كان مادة مألوفة بين مختلف طبقات المجتمع المصري، وليس حكرًا على الطبقات الراقية، ولم يشر إلى البعثة الأثرية التى قامت بهذا الكشف وموقع عملها وتاريخ عملها وهل حصلت على موافقة المجلس الأعلى للآثار أم لا، وهو ما يهدم نظريتهم من الأساس.