مبعوث أمريكي سابق إلى سوريا: فوجئت بسقوط «الأسد».. والدعم الأمريكي لإسرائيل قد يصبح أكثر تعقيدا (حوار)
مبعوث أمريكي سابق إلى سوريا: فوجئت بسقوط «الأسد».. والدعم الأمريكي لإسرائيل قد يصبح أكثر تعقيدا (حوار)
في خضم التغيرات العنيفة التي تهز الشرق الأوسط، والتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، منذ 7 أكتوبر 2023، تحدثنا مع الدبلوماسي الأمريكي البارز مايكل راتني، ثالث مبعوثي الولايات المتحدة إلى سوريا خلال الحرب الأهلية، وشغل سابقًا منصب القائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة بإسرائيل، والقنصل الأمريكي العام في القدس.
تحدث في حوار مع «الوطن»، ليكشف عن رؤية واشنطن تجاه أبرز ملفات المنطقة، من سقوط الأسد في دمشق، إلى صعود أحمد الشرع، وصولًا إلى الحرب الدائرة في غزة والعلاقات المتوترة بين إسرائيل والولايات المتحدة.
الملف السوري في قبضة «راتني».. لكنه فوجئ من تسارع الأحداث
مايكل راتني، الذي أمضى سنوات في متابعة الملف السوري عن قرب، لم يخف صدمته من سرعة الأحداث في دمشق، بالنسبة له، كان سقوط الأسد مفاجئًا، يقول: «الجيش السوري كان أضعف مما أدركه كثيرون، اعتقدنا أن الأسد سيبقى في السلطة وأن المعارضة قد انتهت، لكن فجأة سيطر أحمد الشرع على حلب ثم دمشق بسرع».
لكن «راتني» أشار أيضًا إلى أن الشرع، رغم جذوره في الحركات السلفية الجهادية بما فيها تنظيم القاعدة، أرسل منذ توليه السلطة في دمشق إشارات إيجابية حول طريقة الحكم، مع فهمه لتنوع سوريا وضرورة الدعم الدولي، بينما الولايات المتحدة، فترى أهمية منحه فرصة، ولذلك سعت إلى التحرك بسرعة لرفع العقوبات والسماح للاقتصاد بالنمو: «هناك فرصة لدمشق لتكون على المسار الصحيح، نأمل أن تبقى سوريا على المسار الصحيح، ونسعى إلى تحفيز القيادة الجديدة على ذلك».
عند الحديث عن الشرع شخصيًا، أقر «راتني» بأنه لم يكن على اتصال مباشر معه، إذ كان حينها يصنف على أنه إرهابي كرئيس لهيئة تحرير الشام: «كنا نعلم أن تنظيمه يتمتع بانضباط شديد، وأن الشرع قائد محنك، لكننا اعتبرناه إرهابيًا ولم يكن لدينا أي اتصال به».
هل دربت الولايات المتحدة أحمد الشرع على السياسة؟
خلال الحديث معه، أرسلنا إليه تصريحات قالها السفير الأمريكي السابق في سوريا، روبرت فورد، والتي نقلتها عنه وسيلة إعلام دولية خلال حوارها معه، وقالت إن الولايات المتحدة دربت أحمد الشرع على السياسة قبل سنوات، لكن «راتني»، فوجئ بتلك التصريحات، ونفى وجود علاقة تدريبية للولايات المتحدة بأحمد الشرع لمساعدته على الصعود السياسي، على عكس ما صرع به سابقًا روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في دمشق.
وقال «راتني»: «رأيت تعليقات السفير فورد في تقرير صحفي، كان يشير إلى زيارات قام بها إلى سوريا برفقة منظمة بريطانية غير حكومية تُعنى بحل النزاعات، كانت هذه اتصالات غير رسمية، وأعتقد أنَ القول إنها تمثل تدريب الشرع أو التمهيد لصعوده إلى السلطة غير دقيق».
قرأ «راتني» تقرير إعداد الولايات المتحدة للشرع سياسيًا باستغراب شديد، يضيف: «ليس من المستغرب أن تجري المنظمات غير الحكومية حوارًا مع جميع أطراف النزاع، لكن هذه لم تكن اتصالات رسمية، وكان السفير فورد يتصرف كمواطن عادي».
وأكد أيضًا أن الولايات المتحدة اعتبرت الشرع إرهابيًا، وحتى بعد عودته إلى سوريا ونأي جماعته بنفسها عن تنظيم القاعدة، استمرت الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى في اعتباره إرهابيًا، ولم تكن لديها أيُ اتصالات رسمية معه، وكان من المفارقات أن يتولى السلطة في دمشق، وكان المسؤولون الأمريكيون من بين أوائل من التقوا به، وبعد بضعة أشهر فقط، التقى بالرئيس ترامب في الرياض ثم سافر الشرع إلى واشنطن للقاء ترامب في البيت الأبيض».
يصف أيضًا رحلة الشرع، من إرهابي إلى رئيس سوري مؤقت قائلًا: «من الناحية السياسية، تعتبر هذه رحلة مميزة»، كما لم يتعامل الدبلوماسي الأمريكي مع «الشرع»، نهائيًا، لكنه أبدى رغبة في مقابلته يومًا ما.
العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.. مطبات سياسية وأزمات
انتقلنا مع مايكل راتني للحديث حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، التي مرت بالعديد من المطبات السياسية والأزمات خلال العامين الماضيين، سألناه عن النبرة السياسية بين البلدين، هل تتغير مع مرور الوقت مع تطورات الأحداث، فلم ينفي الأمر، قائلًا: «هذا ممكن»، يضيف: «لسنوات عديدة، كان دعم الولايات المتحدة لإسرائيل قويًا جدًا، ولا يزال قويًا حتى الآن، ويعكس ذلك الدعم الواسع لإسرائيل بين الجمهور الأمريكي، الديمقراطي والجمهوري».
تاريخيًا، سعت الولايات المتحدة إلى أن ترى وهي تقف إلى جانب شركائها وحلفائها، وتستخدم نفوذها وعلاقاتها الخاصة للتأثير على سياساتهم، بدلًا من الانضمام إلى جهود نبذهم.
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة تاريخيًا كانت تُفضل الوقوف مع حلفائها ومحاولة التأثير عليهم من الداخل بدلًا من أن تنضم إلى حملات أو جهود دول أخرى تهدف إلى معاقبتهم أو عزلهم أو نبذهم دبلوماسيًا.
الدعم الأمريكي لإسرائيل.. هل يكون أكثر تعقيدًا في المستقبل؟
لكن «راتني» أشار إلى أن هذا الدعم قد يصبح أكثر تعقيدًا في المستقبل، حيث تغيرت مواقف الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل خلال العقد الأخير: «لا أعتقد أن قوة الدعم الأمريكي لإسرائيل يمكن اعتبارها أمرًا مسلمًا به في العقد المقبل».
وبسؤاله عن استقلالية أي رئيس أمريكي عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو العكس، أجاب أن التعاون الوثيق بين واشنطن وتل أبيب لا يمنع اتخاذ أي منهما قرارات مستقلة، مع ميل الطرفين لحل الخلافات خلف الكواليس دون تصعيد علني.
يقول: «تتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل وثيق، مع أن هذا لا يعني أن الدولتين لا تتصرفان بشكل مستقل. أحيانًا تكون هناك خلافات بين الدولتين، لكنهما تفضلان حل هذه الخلافات بهدوء وعدم السماح لها بالتحول إلى جدل علني، من الواضح أن العديد من رؤساء الولايات المتحدة واجهوا تحديات في التعامل مع نتنياهو، لكن هذا لا يغير جوهر الدعم الأمريكي لأمن إسرائيل أو رغبة الولايات المتحدة في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني».
كيف يرى مايكل راتني خطة دونالد ترامب في غزة؟
انتقلنا للحديث عن خطة الرئيس الأمريكي المكونة من 20 بندًا لإنهاء الحرب على غزة، ودخلت المرحلة الأولى منها حيز التنفيذ بالفعل مع تبادل المحتجزين الإسرائيليين الأحياء والقتلى، والأسرى الفلسطينيين، وكان من المهم أن نناقش مدى فاعلية نجاح خطة الرئيس الأمريكي في غزة.
يتحدث «راتني»، عن تلك الخطة قائلًا: «توضح الخطة المكونة من 20 نقطة أن حماس لا يمكن أن يكون لها أي دور في حكم غزة، ويجب عليها نزع سلاحها، من الصعب تخيل أن حماس توافق طواعية على نزع سلاحها أو أن تصبح شيئًا آخر غير جماعة مسلحة، أقر بأن الضربات العسكرية الإسرائيلية على غزة كانت مُدمرة، لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن حماس كانت كارثة على الشعب الفلسطيني».
كيف يرى «راتني» اختلاف تعامل بايدن وترامب مع ملفات الشرق الأوسط؟
عمل راتني خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، حيث عُين سفيرًا للسعودية في 2023، فانتهزنا تلك الفرصة، للحديث عن اختلاف نهج ترامب في إدارة حرب غزة عن نهج بايدن، فقال، إن الرئيسين أرادا إظهار الدعم الكامل لإسرائيل علنًا، لكنهما في الوقت نفسه، طلبا من نتنياهو إنهاء الحرب والسعي لإطلاق سراح الرهائن عبر التفاوض.
يتحدث «راتني» عن بايدن وترامب قائلًا: «أوقف بايدن مبيعات أسلحة معينة لإسرائيل مرة واحدة فقط، ولفترة وجيزة فقط، لم يفعل ترامب ذلك قط، لكن ترامب نفد صبره تجاه نتنياهو، وبدا أنه استنتج أنه لا يريد إنهاء الحرب ولا يكترث بالرهائن الإسرائيليين، في النهاية، مارس ضغطًا أكبر على نتنياهو للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وعمل مع الحكومات العربية لإقناع حماس بالإفراج عن الرهائن الإسرائيليين».
لكن كيف أقنع «ترامب» رئيس الوزراء الإسرائيلي بوقف الحرب على غزة إذن؟ يرد الدبلوماسي الأمريكي: «أعتقد أنه تمكن من فعل ذلك بفضل شعبيته في إسرائيل، وهو أمر لم يكن بايدن يتمتع به بنفس الدرجة، ما لدينا الآن هو هدنة، وقف إطلاق نار، وليس سلامًا حقيقيًا، يبقى أن نرى ما إذا كان وقف إطلاق النار هذا سيصبح أكثر ديمومة، ويمكن أن يعيد حياة طبيعية لسكان غزة».
تأرجح ثقة الدول العربية في الولايات المتحدة
تأرجحت ثقة الدول العربية في الولايات المتحدة بعد الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة في وقت سابق، وحول ثقة العرب بالولايات المتحدة لم تعد كما كانت في السابق، يقول «راتني»، إنه من الصعب معرفة ذلك، لكن وفقًا لاستطلاعات الرأي العام، فثقة العرب بالولايات المتحدة منخفضة نسبيًا، لكنها على هذا النحو منذ فترة طويلة.
يضيف: «في الوقت نفسه، تتمتع الولايات المتحدة بعلاقات راسخة مع الحكومات العربية، قائمة على الروابط الأمنية والاقتصادية والتجارية والتعليمية، بالإضافة إلى الهدف المشترك المتمثل في منطقة مستقرة ومزدهرة تخدم مصالحنا المشتركة، لطالما كانت لدينا خلافات، ولطالما سادت مشاعر إحباط بين الشعوب العربية تجاه سياسات الولايات المتحدة في العالم العربي، أعتقد أن هذه المشاعر ستتقلب تبعًا لتطورات الأحداث».
خطوط الولايات المتحدة الحمراء مع إسرائيل
وأخيرًا، تحدثنا مع الدبلوماسي الأمريكي حول خطوط الولايات المتحدة الحمراء مع إسرائيل، فأكد أن واشنطن لا تتعامب بمبدأ «الخطوط الحمراء» مع إسرائيل ولا نتنياهو، فكل إدارة أمريكية تُعلن سياساتها وتبذل قصارى جهدها لتطبيقها، مُدركة أن الوضع في الشرق الأوسط شديد التعقيد والتقلب.
يرى أن هناك سياسات ثابتة بين واشنطن وتل أبيب، وهي دعم أمن إسرائيل والمساعدة في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: «في غزة، سعت الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب الفلسطيني، وحشد الدعم الدولي لإعادة الإعمار، وفي الضفة الغربية، سعت الولايات المتحدة إلى وقف المساعي الإسرائيلية لضم الأراضي، وإبقاء الطريق مفتوحًا أمام تسوية سياسية نهائية للصراع».
يقول: «تسعى الولايات المتحدة إلى مساعدة شركاء الشرق الأوسط في الدفاع عن أنفسهم ضد العدوان الإيراني، وهزيمة الجماعات الإرهابية مثل داعش، وتشجيع المزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي والأمني بين شركائنا في الشرق الأوسط».