من أجل البيئة.. «كاليفورنيا» تقود تمرد الولايات على أجندة الإدارة الأمريكية
من أجل البيئة.. «كاليفورنيا» تقود تمرد الولايات على أجندة الإدارة الأمريكية
مع بروز توجهات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وتشكيله السياسة الفيدرالية لتصب فى مصلحة الوقود الأحفورى وتخفيف القوانين البيئية، لم تهدأ معركة المناخ من واشنطن إلى كاليفورنيا، إذ وجدت سياساته المساندة للفحم والنفط مقاومة محلية شرسة رافضة الانسحاب من الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخى.
وعلى رأس تلك الولايات التى واجهت البيت الأبيض كانت ولاية كاليفورنيا، ففور إعلان ترامب انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ، أعلن جافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا، فى بيان رسمى، التزام ولايته الكامل بأهداف الاتفاقية العالمية، فضلاً عن اقتراح مشاريع تشريعية تفرض على شركات الوقود الأحفورى دفع تعويضات للدولة عن الأضرار المناخية الناتجة عن نشاطها، بحسب ما جاء فى الموقع الرسمى لحكومة كاليفورنيا.
أما نيويورك، فقد واصلت مسارها المناخى رغم تغيّر السياسات الفيدرالية، إذ أكدت التزامها بأهداف قانون قيادة المناخ وحماية المجتمع، الذى ينص على خفض انبعاثات الولاية بنسبة 85% بحلول عام 2050 والوصول إلى كهرباء خالية من الكربون فى عام 2040.
وفى مطلع عام 2025، أقر البرلمان المحلى تشريعات جديدة لتوسيع استثمارات الطاقة الريحية البحرية، من خلال مشروع قانون S5498، الذى يتيح تمويل وتطوير مشروعات الرياح فى البحيرات العظمى وساحل لونغ آيلاند، رغم تعليق الحكومة الفيدرالية تراخيص بعض المشروعات، ووفقاً لبيان رسمى من وكالة الطاقة بولاية نيويورك، فإن هذه الخطوة تؤكد التزام الولاية بمواصلة الانتقال إلى الطاقة النظيفة رغم التحديات الفيدرالية.
وعلى الساحل الغربى، اتخذت ولاية واشنطن موقفاً أكثر حدة، إذ أعلن نيك براون، المدعى العام لولاية واشنطن، إقامة دعوى ضد إدارة ترامب بسبب حجب أكثر من 9 ملايين دولار بشكل غير قانونى من الأموال التى أقرها الكونجرس، للمساعدة فى حماية ولاية واشنطن من آثار تغير المناخ، بحسب ما جاء فى الموقع الرسمى للولاية الأمريكية.
«الشربينى»: السياسات البيئية تحتاج إلى دعم متعدد المستويات يشمل الحكومة الفيدرالية والمجتمع المدنى
ومن جانبه، حلل السفير الدكتور مصطفى الشربينى، الخبير الدولى فى الاستدامة والبصمة الكربونية والمراقب باتفاقية باريس للمناخ بالأمم المتحدة، سياسات ترامب المناخية ومقاومة الولايات الأمريكية، قائلاً إنه خلال الفترة التى تولى فيها الرئيس الأمريكى رئاسة الولايات المتحدة، شهدت السياسات المناخية تغييرات كبيرة مقارنة بالمسار الذى اتبعته الإدارات السابقة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً على المستويين الوطنى والدولى، مؤكداً أن فى الوقت الذى اتخذت فيه الحكومة الفيدرالية خطوات لسحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، وإلغاء العديد من السياسات البيئية والتنظيمية، التى كانت تهدف إلى الحد من الانبعاثات الكربونية، ظهرت مقاومة قوية من قبل عدد من الولايات الأمريكية، التى التزمت باستمرار سياساتها المناخية الخاصة، مؤكدين أهمية الاستدامة البيئية كعامل استراتيجى فى مستقبل الطاقة والاقتصاد.
وأشار «الشربينى» إلى أن أحد أبرز العناصر فى سياسات ترامب كان التركيز على تعزيز إنتاج الوقود الأحفورى، مثل النفط والفحم والغاز الطبيعى، وتقليل القيود التنظيمية على الصناعات التى تُعتبر من أكبر مسببات الانبعاثات الكربونية، ولفت إلى أن هذا التوجه على الرغم من أنه سعى إلى تعزيز النمو الاقتصادى قصير المدى فى بعض القطاعات، إلا أنه أثار مخاوف كبيرة بشأن زيادة الانبعاثات الكربونية، وتأثيرها السلبى على ظاهرة الاحتباس الحرارى وتغير المناخ على المدى الطويل.
ونوه إلى أن التراجع عن السياسات البيئية مثل Clean Power Plan وإلغاء القيود على الانبعاثات الصناعية، مثل ما شهدته بعض شركات الطاقة الكبرى، يمثل تحدياً كبيراً للمساعى الدولية للحد من ارتفاع درجات الحرارة وتحقيق أهداف اتفاق باريس.
وأكد المراقب باتفاقية باريس للمناخ بالأمم المتحدة أن بعض الولايات الأمريكية، وعلى رأسها كاليفورنيا ونيويورك، اعتمدت موقفاً مستقلاً ووضعت خططها المناخية الخاصة، بما فى ذلك أهداف طموحة لتقليل الانبعاثات الكربونية وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، موضحاً أن هذه الولايات شكلت ما يمكن تسميته بـ«اتحاد الولايات المناخية»، حيث تعاونت فيما بينها لتطوير استراتيجيات مستدامة تقلل من الاعتماد على الوقود الأحفورى، وتعزز الابتكار فى قطاع الطاقة النظيفة.
وأضاف أن هذه المقاومة تشير إلى أن السياسات الفيدرالية لا يمكن أن تكون العامل الوحيد فى توجيه المسار البيئى للولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الحكومات المحلية لديها القدرة على التأثير الفعلى فى تقليل الانبعاثات وتحقيق أهداف الاستدامة.
وأوضح «الشربينى» أن تجربة هذه الولايات تكشف عن التحديات القانونية والإدارية التى تواجه السياسات المناخية الفيدرالية، فعلى الرغم من محاولات الإدارة الفيدرالية تقليص القيود البيئية، لجأت بعض الولايات إلى استخدام السلطات القضائية والقوانين المحلية لحماية البيئة والحفاظ على جودة الهواء والماء، ليبرز هذا التوازن بين السياسات الفيدرالية والمبادرات المحلية أهمية اللامركزية فى معالجة القضايا البيئية، ويظهر كيف يمكن للولايات أن تلعب دوراً قيادياً حتى فى غياب التوجه الفيدرالى الداعم للاستدامة.
ومن الناحية العلمية، تشير الدراسات إلى أن التغير المناخى له تأثيرات واسعة النطاق على الأنظمة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، سواء زيادة درجات الحرارة التى من شأنها أن تؤدى إلى تزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة، مثل الأعاصير والفيضانات والجفاف، وهى آثار لها انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائى والصحى والاقتصادى للمجتمعات، وفى هذا السياق، فإن السياسات المناخية التى تهدف إلى الحد من الانبعاثات الكربونية لا تعتبر مجرد التزام بيئى، بل هى استثمار استراتيجى فى الحد من المخاطر المستقبلية وحماية الاقتصاد الوطنى من الخسائر المحتملة نتيجة الكوارث الطبيعية المتزايدة.
وأضاف «الشربينى» أن السياسات المناخية للولايات الأمريكية لم تقتصر على الجوانب البيئية فحسب، بل شملت تبنى الابتكار فى قطاع الطاقة النظيفة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة فى مجالات الطاقة المتجددة، وتحفيز البحث العلمى فى مجالات مثل تخزين الطاقة، وكفاءة الطاقة، وتحويل النفايات إلى طاقة، هذه المبادرات تبرز أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر ليس تضحية اقتصادية، بل يمكن أن يكون محركاً للنمو الاقتصادى المستدام وخلق فرص عمل جديدة فى قطاعات حديثة ومتقدمة.
وتعد تجربة سياسات ترامب المناخية ومقاومة بعض الولايات لها عدة دروس مهمة، أولها التأكيد على أن السياسات البيئية تحتاج إلى دعم متعدد المستويات، يشمل الحكومة الفيدرالية والولايات والقطاع الخاص والمجتمع المدنى، ثم يليها إبراز أهمية الابتكار والاقتصاد الأخضر كوسيلة لتحقيق أهداف الاستدامة، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية، كما تشير إلى أن الضغوط القانونية والإدارية يمكن أن تكون وسيلة فعالة لحماية البيئة، حتى فى ظل سياسات غير داعمة على المستوى الفيدرالى، وتعكس هذه التجربة أن مواجهة التحديات المناخية تتطلب استراتيجيات طويلة المدى، تعتمد على المعرفة العلمية، وتتكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.