«مواقف وطنية» للبابا تواضروس.. عارض استقواء الأقباط بالخارج بعد قيام «الإخوان» بحرق الكنائس
«مواقف وطنية» للبابا تواضروس.. عارض استقواء الأقباط بالخارج بعد قيام «الإخوان» بحرق الكنائس
جسّد البابا تواضروس الثانى، على مدار سنوات خدمته، صورة رجل الدين الوطنى الذى يرى فى مصر رسالة سلام وبيتاً كبيراً يسع الجميع، فلم تكن كلماته يوماً مجرد شعارات، بل مواقف حيّة عبرت عن وعيه الحقيقى بالمسئولية تجاه الوطن وأفراده بمختلف أطيافه، ففى كل أزمة أو تحدٍ كان صوته صوت الحكمة والعقل، ودعوته الدائمة بالحفاظ على وحدة المصريين، التى هى سر اختلافهم وقوتهم.
ومنذ جلوسه على كرسى مارمرقس فى فترة من أصعب الفترات التى عاشتها مصر وهو فى الـ60 من عمره، استخدم حكمته ووطنيته وإيمانه للحفاظ على وحدة المصريين، وأكد أن قوة مصر فى تماسك شعبها وتكاتفهم، وخلال الأحداث التى شهدتها البلاد خلال عامى 2012 و2013، وقف «تواضروس» مستكملاً مسيرة بطاركة الكنيسة الذين سبقوه فى الحفاظ على هذا الوطن، داعياً الجميع إلى نبذ العنف، وموجّهاً أبناء الكنيسة فى الداخل والخارج إلى دعم وطنهم بالصلاة والعمل، مؤمناً بأن المحبة وحدها قادرة على جمع أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت اتجاهاتهم أو عقائدهم.
صاحب مقولة «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»: الوحدة بين أبناء الوطن لسلامة مصر والقضاء على الإرهاب
وعندما شهدت البلاد أحداثاً مؤلمة من حرق كنائس وممتلكات، لم يكن رد البابا إلا الحكمة والثبات، وقال حينها كلماته الشهيرة التى أكدت أن الكنيسة القبطية كنيسة وطنية حتى النخاع وهى «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»، ليئد فتنة أراد لها أهل الشر أن تقضى على النسيج المجتمعى للبلد، وبرهن أن الكنيسة لا تعرف العنف، ورد على من رددوا أن الأقباط يستقوون بالخارج، قائلاً: «لم نستقوِ بأحد إلا بإخوتنا المصريين فى الداخل، لأننا نؤمن أن الوطن يحتمى بأبنائه لا بالغرباء عنه»، وكانت هذه المواقف درساً عميقاً فى الوطنية الهادئة، ورسالة بأن المحبة يمكن أن تكون أقوى من أى انتقام أو غضب.
فوّت البابا الفرصة تلو الأخرى فى النَيل من الوطن ووحدته الوطنية، حتى عندما حاول الإرهاب استهداف البابا شخصياً فى عيد السعف عام 2017، عبر عملية إرهابية استهدفت الكنيسة المرقسية بالإسكندرية وقت وجوده فيها، وخرج ليؤكد أن الإرهاب لن ينجح فى شق صف المصريين والنَيل من وحدتهم واستقرارهم، مشيراً إلى أن الوحدة والمحبة بين أبناء الوطن هى السبيل الوحيد الذى يكفل سلامة مصر والقضاء على الإرهاب.
وسارت العلاقة بين الكنيسة والدولة على هذا المنوال، كأنه عقد غير مكتوب بين البابا والرئيس جمع بينهما منذ الثالث من يوليو 2013م، فلم يُضبط البابا متلبساً مرة يذم فى الدولة أو يتذمر من شىء، بل كان داعماً ومسانداً بقوة للدولة المصرية ولمشروعات الرئيس عبدالفتاح السيسى، ومبشراً بها، ومتهماً الإعلام الأجنبى بتضخيم الأحداث فى مصر، ومطالباً بدعم الوطن ومساندته.
وكانت زيارات البابا الخارجية خير دليل على ذلك، فقد كان دائم الإشادة بحُسن العلاقة بين الدولة والأقباط، وأن هناك أموراً اطلع عليها، لا يمكن الإفصاح عنها، تدل على أن ما يجرى على أرض مصر شىء طيب عكس ما يتم تصويره، وأن هناك عهداً جديداً دخلته مصر، وكل المسئولين فيها يعملون بجد من أجل النهوض بمصر، معدّداً المشروعات القومية التى تتم، وأكد أن مصر تعرّضت لهجمات شرسة من الإرهاب، مطالباً الساخطين على الأوضاع فى مصر بالتفكير بعقل، مشيراً إلى أن الأمور تتحسّن تدريجياً، وأن عدداً كبيراً من المهاجرين بدأ يعود للوطن الذى يحتاج لبعض الوقت للتعافى مما تعرض له خلال العقود الماضية.
كانت هذه المواقف محل تقدير من القيادة السياسية، وأشاد الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى العديد من اللقاءات والمحافل، بمواقف البابا تواضروس، وقال فى كلمته خلال عيد الميلاد المجيد، مخاطباً شعب الكنيسة والبابا تواضروس: «تحياتى واحترامى لقداسة البابا الذى أكن له كل احترام وتقدير، والمحبة دى عن مواقف مايعملهاش إلا رجال، رجال مخلصين بيحبوا بلادهم، وأنا عشت الكلام ده عملياً مع قداسة البابا.. تقديرى ليك وربنا يديك الصحة وباشكرك على اللى فات واللى جاى، وكل سنة وأنتم طيبين».
وفى احتفالية أخرى قال الرئيس السيسى: «أوجه له كل التقدير والاحترام والاعتزاز، والله، وليكم كلكم.. أنتم ماتعرفوش مدى المحبة والتقدير والاعتزاز اللى باقدّر بيه قداسة البابا، وده مش من فراغ، وأنا قُلت المرة اللى فاتت كلام كلنا فاكرينه».
وقال الدكتور رامى عطا، رئيس قسم الصحافة بأكاديمية الشروق، إن وطنية البابا تواضروس «لا تُقاس بالكلمات، بل تُرجمت فى المواقف»، حيث يؤمن بأن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة وطنية حتى النخاع، وتاريخها الممتد عبر عشرين قرناً يشهد بذلك، مشيراً إلى أنها المؤسسة المصرية الوحيدة التى لم تُحتل أو تُستغل يوماً، بل بقيت وطنية خالصة مهما تغيّرت العصور وتعاقبت الأجيال.
وأولى البابا اهتماماً خاصاً بالشباب، مؤمناً بأنهم أمل الكنيسة والوطن، فى ملتقيات الشباب التى يرعاها داخل مصر وخارجها، إذ حرص البابا الوطنى على أن يعودوا إلى جذورهم المصرية والكنسية، وأن يجددوا انتماءهم لوطنهم مصر من خلال ملتقى لوجوس، ذلك الاجتماع السنوى الذى يحرص فيه على نقل حبه للوطن والكنيسة لجيل الشباب ويستمع إلى أحلامهم وطموحاتهم، ويسعى لتبادل الخبرات بينهم، وفتح أمامهم باب الحوار ليعبروا عن رؤيتهم للكنيسة والمجتمع، إذ يؤكد لهم دائماً أن «من يحب وطنه يخدمه بصدق، وأن المحبة الحقيقية هى التى تصنع النجاح وتبنى المستقبل».
ومنه تعلّم الكثير من الشباب أن الانتماء ليس شعاراً، بل مسئولية وسلوك، فالوطنية عنده لم تكن موقفاً مؤقتاً، بل أسلوب ظهر منذ السنوات الأولى لتجليسه على الكرسى البابوى وسط أحداث فرضت نفسها على المجتمع المصرى، ولكنه استطاع التخلُّص منها والسعى نحو الجمهورية الجديدة بمشاركة الكنيسة والبابا الوطنى الذى ما زال فى عامه الـ13 على الكرسى المرقسى يثبت ذلك من خلال الأفعال والكلمات، ومنها: «إن كان العالم كله محفوظ فى يد الله فإن مصر محفوظة فى قلب الله».