البابا تواضروس «بطريرك الإصلاح».. رؤية تجمع بين الأصالة والتجديد لبناء مستقبل الكنيسة
البابا تواضروس «بطريرك الإصلاح».. رؤية تجمع بين الأصالة والتجديد لبناء مستقبل الكنيسة
منذ أن كان خادماً بين الأطفال والشباب، حمل البابا تواضروس الثانى فكرة التعليم كرسالة وخدمة، كان يعلّم الأطفال المعلومات الأولى عن كنيستهم الأرثوذكسية وكيف يقولون أول الكلمات فى إيمانهم ويزرع فيهم حب الفهم والمعرفة، ومع مرور السنوات، ظل هذا النهج ملازماً له حتى بعد أن أصبح بطريركاً، فصار أباً يعلّم أولاده الأطفال والشباب كيف يرون الحياة بعقل ناضج وقلب مؤمن.
وخلال 13 سنة سعى «بطرك الإصلاح» إلى تحسين مستوى الرعاية وإعادة تطوير وهيكلة الكنيسة القبطية بشكل مؤسسى ليستحدث لوائح وقطاعات وإيبارشيات جديدة لتسهيل الخدمة، كما اهتم بإيبارشيات المهجر كما دشن كنائس جديدة وأهمها أول كنيسة قبطية أرثوذكسية فى اليابان، حيث أكد البابا تواضروس الثانى، فى تصريحات مسبقة، أنه يسير بالكنيسة فى اتجاه التجديد والإصلاح، وأنه أعلن منذ اليوم الأول إعادة ترتيب الكنيسة، فالكنيسة المصرية ليست صغيرة، فهى لا تدار بالهوى، لكن باللوائح.
أسقف سيدنى يشيد بحكمة البابا: استطاع خلال سنوات تجليسه أن يقدم نموذجاً للقيادة الهادئة
بدوره، وجّه نيافة الأنبا دانييل، أسقف سيدنى فى أستراليا، تهنئة مؤثرة لقداسة البابا، مشيداً بدوره الرعوى ومسيرته الممتدة التى تركت بصمة واضحة فى حياة أبنائه داخل الوطن وخارجه.
وأعرب نيافة الأنبا دانييل فى رسالته عن شكره العميق لقداسة البابا تواضروس الثانى، مؤكداً أن خدمته خلال ثلاثة عشر عاماً اتسمت بالحكمة والمحبة المتدفقة، وأن رؤيته الرعوية قادت الكنيسة نحو مزيد من الاستقرار والنمو. وأشار إلى أن البابا استطاع خلال سنوات تجليسه أن يقدم نموذجاً للقيادة الهادئة التى تجمع بين العمق الروحى والإدارة الحكيمة لشئون الكنيسة محلياً وعالمياً. واختتم الأنبا دانييل تهنئته بالصلاة من أجل أن يمنح الرب مزيداً من القوة والنعمة لقداسة البابا، لمواصلة خدمته المباركة، التى تمتد لتشمل كل أبناء الكنيسة القبطية فى العالم، مؤكداً أن المحبة التى يجمع بها البابا شعبه تؤكد أن اختيار القرعة الهيكلية كان اختياراً إلهياً ورؤية سماوية لقيادة الكنيسة فى هذا العصر.
رئيس «العلوم الإنسانية»: يؤمن بأهمية الحوار والتعاون ويسعى لترسيخ روح تنمية الإنسان
فيما وصفت الدكتورة عايدة نصيف، رئيس قسم العلوم الإنسانية بالكلية الإكليركية، خلال حديثها لـ«الوطن» فكر البابا بالانفتاح والحكمة والتوازن بين الأصالة والتجديد قائلة: «سيدنا يؤمن بأهمية الحوار والتعاون، ويسعى لترسيخ روح المواطنة والوحدة الوطنية بين المصريين، كما يركز على دور الكنيسة فى خدمة المجتمع وتنمية الإنسان، روحياً وثقافياً، ويشجع الشباب على المشاركة الفاعلة فى نهضة الكنيسة والوطن بروح المحبة والسلام». وأما تعليمه للشباب، فقالت «نصيف» إن البابا يرى أن التعليم هو الأساس فى بناء الوعى السليم وتشكيل الشخصية المتوازنة، فهو يعتبر أن الوعى لا ينمو إلا من خلال المعرفة الصحيحة والتفكير السليم، مما يجعل التعليم وسيلة جوهرية لبناء الإنسان الواعى القادر على التمييز بين الصواب والخطأ، ويؤكد أن الشباب هم أكثر فئة تحتاج إلى هذا الوعى ليواجهوا تحديات العصر بثقة ومسئولية لذلك، يشجع البابا على تطوير التعليم الدينى والعام معاً، لربط الإيمان بالعلم والحياة العملية ومن خلال ذلك يسعى إلى أن يغرس فى الشباب حب الكنيسة وروح الانتماء، وحب الوطن، والإيمان بقيمة العمل والعطاء.
وفى ظل التطورات التكنولوجية، التى فرضت نفسها على العصر الحالى مثل الذكاء الاصطناعى، تعامل البابا مع تلك القضايا بفكر منفتح ومتزن يجمع بين الجانب الايمانى والجانب العلمى، فهو يرى أن التطور التكنولوجى مهم، وأن استخدامه بطريقة بنّاءة يخدم البشرية ويُعزز القيم الأخلاقية، حيث توضح الدكتورة عايدة أن البابا يدعو إلى استخدام التكنولوجيا فى كافة المجالات والخدمة فى الكنسية، مع ضرورة توعية الأفراد بخطورة إساءة استخدامها، مع التأكيد على أن ذلك التطور لا يتعارض مع الإيمان، بل يمكن أن يكون وسيلة لفهم أعمق «فهو يؤمن بأن التكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان لا أن تسيطر عليه، وأن تُستخدم لبناء عالم أكثر سلاماً وإنسانية».
قال القمص رويس مرقص، كاهن كنيسة السيدة العذراء ومارجرجس القبطية الأرثوذكسية، بحى غبريال بالإسكندرية، إن البابا تواضروس يمتاز بثقافة واسعة وفكر مستنير ومتجدد، مؤكداً أنه لا يمدحه بقدر ما يصف واقعاً يعرفه البابا نفسه أكثر منه، مضيفاً أن البابا يمتلك قدرة على مواكبة كل ما هو جديد دون أن يمس الثوابت الراسخة فى الكنيسة، مشيراً إلى أنه «مُتْقِد» دائماً فى عمله وخدمته.
وأوضح «مرقص» أن البابا أنشأ المكتبة البابوية بالدير، وتضم ما يقرب من تسعة آلاف كتاب، ويشرف عليها بنفسه، واعتبر أن إنشاء المكتبة يحمل معنى روحياً عميقاً، مستشهداً بأقوال قديسين مثل الأنبا شنودة والأنبا أثناسيوس تحدثوا عن دور المعرفة فى إنارة العقول وفتح عيون القلوب. وأشار «مرقص» إلى أن البابا يؤدى الدور ذاته مع شعبه، إذ يسعى إلى أن ينير عقولهم ويجدد فكرهم، قائلاً إن القراءة تمنح الإنسان «غذاءً روحياً» كلما تعمق فيها.
«فى فكر البابا تواضروس، لا يمكن فصل التقدم عن الجذور، ولا التجديد عن الأصالة»، يقول مينا رمسيس، خادم بالكنيسة، لـ«الوطن»، إن فكر البابا يقوم دائماً على كلمتين: الرؤية والأصالة، حيث يمتلك البابا رؤية مستقبلية واضحة لكل خطوة فى مسيرة الكنيسة، ينظر إلى الأمام بعينٍ تعرف ما يحتاجه الجيل الجديد، دون أن يتنازل عن هوية الكنيسة العريقة وروحها الممتدة عبر ألفى عام.
ورغم مسئولياته الكبيرة، ظل البابا قريباً من أبنائه يشعر بهم ويفهم احتياجاتهم، يسمع الشباب ويفكر بلغتهم، إذ يقول مينا «البابا لم يكن فى أى لحظة بعيداً عن الشباب، بل يعيش معهم ويتكلم بطريقتهم، وهو ما جعله يستطيع قيادة الكنيسة بخطى ثابتة نحو المستقبل دون أن تفقد قيمها أو جذورها».
ووجَّه «مينا» رسالة للبابا تواضروس مغلَّفة بمشاعر المحبة بالتزامن مع الاحتفال بعيد ميلاده الـ73: «أنت أب حقيقى وقائد للكنيسة ذو حكمة ورؤية ثاقبة، تضع دائماً الكنيسة وأولادك فى المقام الأول، تحب كنيستك من كل قلبك، لذلك ائتمنك الله عليها وعلى شعبه، ربنا يخليك لينا دايماً يا أبو الإصلاح فى العصر الحديث».