شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (10).. الأسير الفلسطيني المحرر رائد أبو ظاهر: التقيت يحيى السنوار في سجن «بئر السبع» وقضيت معه 38 شهرا

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (10).. الأسير الفلسطيني المحرر رائد أبو ظاهر: التقيت يحيى السنوار في سجن «بئر السبع» وقضيت معه 38 شهرا

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (10).. الأسير الفلسطيني المحرر رائد أبو ظاهر: التقيت يحيى السنوار في سجن «بئر السبع» وقضيت معه 38 شهرا

أجرت الحوار: رؤى ممدوح

تصوير - محمد ليل

داخل إحدى زنازين سجن «بئر السبع» فى صحراء النقب، حيث الجدران المصبوغة بدماء الأسرى، بدأ فصل جديد من حياة الأسير الفلسطينى رائد أبوظاهر، حيث جمعته الأقدار مع «الشهيد» يحيى السنوار، وتقاسما معاً، على مدى 38 شهراً، تفاصيل الأيام الثقيلة، قبل أن يتحرر «السنوار» ويغادر بوابات السجن، فيما تم الحكم على «أبوظاهر» بالمؤبد، و35 سنة إضافية، مواصلاً رحلة العزلة والجوع، حيث قضى 12 عاماً متفرقة فى الزنازين الانفرادية.

وأكد «أبوظاهر»، فى حوار مع «الوطن»، أنه عندما أخبره الضابط الإسرائيلى، داخل السجن، بمقتل رفيقه «السنوار»، أجاب بهدوء: «لقد نال ما تمنى»، وأوضح أن الأسرى الفلسطينيين يواجهون أقسى أشكال التعذيب والتنكيل داخل سجون الاحتلال، كما يعانون من سياسة تجويع منظمة، مشيراً إلى أنه فقد أكثر من 20 كيلوجراماً من وزنه، وفيما يلى تفاصيل الحوار.

■ حدِّثنا عن نفسك ومسيرتك الدراسية والنضالية.

- أنا الأسير المحرَّر رائد أحمد أبوظاهر، من مدينة رام الله فى الضفة الغربية المحتلة، أبلغ من العمر 47 عاماً، حصلت على بكالوريوس فى الصحافة والعلوم السياسية من جامعة «بير زيت»، ثم ماجستير فى الدراسات الإسرائيلية، وأنا مختص فى الشأن الأمنى الإسرائيلى، التحقت بصفوف المقاومة الفلسطينية عام 1992، وكان عمرى حينها 14 عاماً، واعتُقلت أكثر من مرة، قبل اعتقالى الأخير فى 16 سبتمبر 2001، عندما كنت فى الثانية والعشرين من عمرى، بتهمة التخطيط لخمس عمليات استشهادية داخل مدينة القدس.

■ كيف بدأت علاقتك بالمقاومة قبل الاعتقال؟

- البداية كانت بسيطة جداً كحال معظم أبناء جيلى الذين عايشوا انتفاضة الأقصى الأولى عام 1987، كنا نرشق الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة، ثم تطورت الوسائل شيئاً فشيئاً، وصولاً إلى عمليات إطلاق النار والتفجيرات التى كانت تُعد وسيلة ردع فى مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، ونحن لم نكن نسعى للقتل أو إزهاق الأرواح لمجرد القتل، بل كنا نختار أهدافنا بعناية شديدة، فهناك ما نسمِّيه داخل المقاومة «الوصايا العشر»، وهى مجموعة محاذير، أهمها عدم استهداف الأطفال أو النساء أو كبار السن إذا كانوا غير مسلحين، أو دور العبادة، أحياناً كنا نلغى عمليات كاملة إذا تبيَّن أن الهدف قد يُوقع ضحايا من هذه الفئة.

■ تم اتهامك بتنفيذ عمليات داخل القدس، هل تشرح لنا طبيعة تلك العمليات؟

- نعم، نفَّذنا عمليات محددة داخل منطقة حارة اليهود، المتفرعة من شارع يافا فى القدس، كانت العملية التى اعتُقلت بسببها استهدفت جنوداً ومستوطنين، وأسفرت عن مقتل 15 وإصابة نحو 200 آخرين، لكن سبقتها عمليات أخرى أقل حجماً، منها عملية فى تل الفرنسية، شمال القدس، نفَّذها أحد المقاومين بإطلاق النار على دورية إسرائيلية، وعندما حاصرته القوات، فجَّر نفسه حتى لا يتم أسره، وأؤكد دائماً أن عملنا كان دفاعياً، رداً على جرائم الاحتلال ضد المدنيين وهدم المنازل، بل فى إحدى المرات وضعنا سيارة مفخخة أسفل بناية استيطانية، وأرسلنا تحذيراً مسبقاً بضرورة إخلائها، أُخلى المكان بالفعل وفُجِّرت السيارة دون أن يُصاب أحد، لأن الهدف كان إيصال رسالة، وليس حصد الأرواح، وذلك لأن الاحتلال فى الفترة التى سبقت الانتفاضة الثانية بسنوات قليلة كان يقوم بهدم عشرات المنازل فى جميع أنحاء فلسطين.

  • رائد

■ تم الحكم عليك بالمؤبد و35 سنة إضافية، كيف تلقيت هذا الحكم القاسى؟

- عندما تسمع كلمة مؤبد لأول مرة تشعر أن الحياة انتهت، لكن داخل السجن تتعلم أن المقاومة لا تنتهى خلف القضبان، صمدت لأننى كنت أؤمن بأن الأسر مرحلة من مراحل النضال، وأن الحرية قد تتأخر لكنها لا تُنسى، قضيت فى العزل الانفرادى 12 سنة متفرقة، كان فيها الألم والمعاناة أكبر من الوصف، لكن أيضاً فيها لحظات كرامة وانتصار داخلى.

■ عُرف عنك أنك قضيت فترة طويلة فى زنزانة واحدة مع يحيى السنوار، كيف بدأت تلك التجربة؟

- صحيح، التقيت بالقائد يحيى السنوار، رحمه الله، فى سجن بئر السبع «إيشل»، بصحراء النقب، وذلك بين عامَى 2004 و2007، أى نحو 38 شهراً كاملة، كنا فى زنزانة عزل مزدوجة، لا تضم سوانا، كنت أنام على السرير العلوى وهو على الأرضى، أتذكر عندما دخل الزنزانة أول مرة، ودفعه السجانون داخلها، كان وجهه صارماً وهيبته قوية جداً، فشعرت بالخوف، وقلت فى نفسى: «شو هالمصيبة اللى جايبين لى إياها، كيف بدى أعيش معه وأتطلع فى وجهه كل يوم؟»، لكن ما إن أُغلق الباب حتى اكتشفت شخصية مختلفة تماماً، كان اجتماعياً، مرحاً، شديد التواضع، ومحباً لمساعدة الآخرين.

■ كيف كانت تفاصيل الحياة اليومية داخل الزنزانة مع السنوار؟

- كنا نعيش كما لو كنا إخوة حقيقيين، نأكل معاً، ونتبادل الحديث طوال الليل، ويشاركنى خططه وأحلامه وأمنياته، يحيى السنوار كان طباخاً ماهراً بحق، لديه «نَفَس» كما تقولون فى مصر، رغم ضيق الإمكانيات، كان يُعد لنا أطباقاً متنوعة، مثل الفلافل والمسقعة والكشرى والمنسف، حتى الكنافة التى كان يصنعها «أبوإبراهيم» كل يوم سبت من خبز جاف كانت بمثابة عيد صغير داخل السجن، ينتظرها الأسرى فى الزنازين الأخرى، وكان يرفض أن يساعده أحد، كان يرى فى الطبخ والخدمة نوعاً من التضامن والمقاومة المعنوية.

■ ذكرت أن السنوار كان يعانى من مرض خطير أثناء الأسْر، هل تروى لنا تلك المرحلة؟

- نعم، أصيب يحيى السنوار بورم سرطانى فى الدماغ عام 2004، بعد أشهر قليلة من وجوده معى فى الزنزانة، بدأت تظهر عليه أعراض فقدان الذاكرة، كان ينسى الصلاة، أو يتساءل إن كان توضأ أو أكل، كان يحتاج إلى مساعدة مستمرة فى أبسط الأمور، وبعد إجراء عملية استئصال للورم، ظل الجرح فى رأسه مفتوحاً وملفوفاً بالضمادات، وكان ضعيفاً جداً، ومع ذلك لم يفقد عزيمته أو حسَّه القيادى، كان يقول لى دائماً: «أنا مستعد للموت فى أى لحظة، لكنِّى لن أنحنى»، وأذكر قبل عام، عندما استشهد «أبوإبراهيم»، استدعانى ضابط من جهاز «الشاباك»، وقال لى: «لقد قتلنا رفيقك اليوم»، سألته: «من تقصد؟»، فأجاب: «يحيى السنوار»، فى الحقيقة لم أتفاجأ، بل قلت له: «لقد حققتم له ما أراد»، فقد كان يحيى يردد أمامى دائماً أن له أمنيتين، الأولى أن يمرِّغ أنف الاحتلال فى التراب، والثانية أن يُستشهد على أرض غزة، وقد نال الاثنتين بالفعل.

■ هل تعرضتم لمواقف قمع أو اعتداء أثناء وجودكم فى العزل؟

- نعم حدث بالفعل، وكثيرة هى الاعتداءات، أذكر حادثة مؤلمة جداً، وتحديداً بعد يومين من خروج يحيى السنوار من غرفة العمليات، بعدما أجرت له إدارة السجون عملية استئصال للورم، وكان رأسه به جرح كبير جرَّاء التدخل الجراحى، حيث اقتحمت وحدة القمع الإسرائيلية المسماة «ماتسادا» زنزانته فى منتصف الليل، وكان حينها قد تم نقله إلى زنزانة أخرى مجاورة فيها 6 أسرى، حتى يتمكنوا من مساعدته ورعايته، وكان فى حالة نقاهة بعد العملية، كان «أبوإبراهيم» نائماً فوق سريره، فيما كان رأسه مغطى باللاصقات الطبية والضمادات، فقال بصوت منهك للشباب: «لا تطيعوا أوامرهم»، فرد عليه قائد القوات: «هنطخ»، فقال لهم: «طخوا»، ثم أمروه هو والشباب بالانبطاح على الأرض فرفض، وتشجَّع الشباب فى التمرد على السجانين، فبدأت القوات بإطلاق النار والرصاص المطاطى، فأصيب خمسة من الأسرى فى رؤوسهم وأطرافهم، وكان هناك أسير إصابته خطيرة للغاية، أما بالنسبة ليحيى السنوار فقد قامت القوات بإطلاق قنابل صوت أسفل سريره، فرفعت جسده فى الهواء وأسقطته بقوة على الأرض، فانفتح جرح رأسه ونزف مجدداً، تلك اللحظات كانت درساً فى الصمود.

  • رائد

■ كيف تصف أوضاع الأسرى اليوم داخل سجون الاحتلال؟

- اليوم يعيش الأسرى محرقة حقيقية، هناك سياسة تجويع منظمة، حيث تُقلل إدارة السجون الوجبات إلى حد لا يوفر حتى الحد الأدنى من السعرات الحرارية، فخلال عامين فقد بعض الأسرى أكثر من 50 كيلوجراماً بسبب الجوع الدائم، أنا شخصياً فقدت 23 كيلو، وفى فصل الشتاء، وخلال البرد القارس، تُسحب الملابس والأغطية، ويُمنع غسل الملابس والاستحمام لفترات طويلة، ما يتسبب فى انتشار الأمراض الجلدية، خصوصاً مرض «السكابيوس»، الذى نسمِّيه نحن «الدمامل»، فيمتلئ جسد الأسير بالقروح والصديد، حتى تلتصق ملابسه بلحمه، الغرف تفوح منها رائحة القيح، ولا علاج ولا نظافة.

■ بعد 24 سنة من الأسْر، كيف ترى معنى الحرية اليوم؟

- الحرية ليست أن تخرج من السجن فقط، بل أن تبقى وفياً للفكرة التى سُجنت من أجلها، خرجتُ من الأسر بجسد أضعف، لكن بروح أقوى، تعلمت أن المقاومة لا تموت، وأن من ذاق طعم القيود يعرف قيمة السماء المفتوحة، والاحتلال قد يسرق أعمارنا، لكنه لا يستطيع أن ينتزع كرامتنا وإيماننا بأن هذه الأرض لنا، وفى هذا المقام لا يسعنى إلا أن أشكر مصر على ما قدَّمته لنا من حُسن استقبال وترحيب.