مصير مستقبل غزة وفخّ المشروع الأمريكي

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس لم يكن بلا ثمن سيدفعه الشعب الفلسطيني، وبالذات قطاع غزة الذي يبدو أنه سيمرّ بمرحلة قاسية من عدم الاستقرار أو إعادة الإعمار، وهي الخطوة الأهم بالنسبة لسكان القطاع المنكوب.

كانت الولايات المتحدة قد قدّمت مشروع قرار إلى مجلس الأمن يهدف إلى تبنّي خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكوّنة من 20 بنداً للسلام في أكتوبر الماضي. ويتكوّن المشروع من 11 فقرة رئيسية سيتم التصويت عليه فجر غدٍ بتوقيت القاهرة.

ويركّز المشروع على الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بعد تبادل الأسرى في المرحلة الأولى.

ومن أبرز بنوده إنشاء «مجلس السلام»، وهو هيئة انتقالية برئاسة ترامب، لها شخصية قانونية دولية، ومسؤولة عن إدارة غزة مؤقتاً حتى نهاية عام 2027، من خلال تنسيق الإعمار، والتمويل التطوّعي، وإنعاش الاقتصاد، بالإضافة إلى نشر قوة استقرار دولية لمدة عامين (قابلة للتمديد) تابعة لمجلس السلام، لتحلّ محلّ الجيش الإسرائيلي في حراسة الحدود، وتوفير الأمن، ونزع سلاح المقاومة.

تعمل هذه القوة تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة (حلّ سلمي) وليس الفصل السابع (إجراءات إنفاذية).

كما يشمل المشروع مساراً نحو الدولة الفلسطينية يشترط إجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية وتقدّم الإعمار، مع إعادة تسليم غزة إليها لاحقاً، وإنشاء حوار بين إسرائيل والفلسطينيين للعيش السلمي.

كذلك يتضمّن انسحاباً إسرائيلياً مشروطاً بتحقيق الاستقرار من قبل القوة الدولية، مع الحفاظ على وجود أمني إسرائيلي محيط إلى حين زوال التهديدات.

يحظى هذا المشروع بدعم الولايات المتحدة ودول عربية وإسلامية رئيسية مثل: مصر، وقطر، والسعودية، والإمارات، وتركيا، والأردن، وباكستان، وإندونيسيا، مما يمهّد لإجماع إقليمي لتمريره، إذ يحتاج إلى 9 أصوات موافقة دون فيتو من الأعضاء الدائمين.

غير أن القرار محفوف بالألغام والمخاطر، إذ يثير المشروع جدلاً واسعاً، خاصة من الفصائل الفلسطينية وروسيا والصين والجزائر، الذين يرونه يحمل مخاطر على السيادة الفلسطينية واستقلالية القرار الفلسطيني والاستقرار طويل الأمد.

وتُعدّ هذه المخاوف مشروعة، إذ يخشى من فرض وصاية دولية فوق وطنية وتجريد الفلسطينيين من السيادة. فقد حذّرت الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، من أن المشروع يحوّل إدارة غزة وإعادة الإعمار إلى "جهة دولية فوق وطنية" ذات صلاحيات واسعة، مما يجرد الفلسطينيين من حقهم في إدارة شؤونهم الداخلية ويفرض وصاية جديدة بدلاً من الاحتلال الإسرائيلي. وترى هذه الفصائل أن "مجلس السلام" يمثل تدخلاً مباشراً في القرار الوطني دون ترتيبات فلسطينية ذاتية، مما يهدد الهوية الوطنية ويمهّد لهيمنة خارجية.

كما تنتقد غياب دور انتقالي واضح للسلطة الفلسطينية، مما يعيق تحقيق الاستقرار الحقيقي. وقد يؤدي ذلك إلى صدام مع الفصائل الفلسطينية إذا حاولت القوة الدولية فرض نزع السلاح، مما يهدد اتفاق وقف إطلاق النار ويعيد التوترات العسكرية واستئناف الحرب من جديد.

الأهم أن المشروع يُظهر انحيازاً لإسرائيل، إذ يشترط الانسحاب الإسرائيلي بزوال التهديدات دون جداول زمنية ملزمة، مما يسمح ببقاء وجود أمني إسرائيلي في المناطق الحدودية. لذا تطالب الفصائل الفلسطينية بقرار بديل ينهي الاحتلال كلياً ويمنع التغوّل الإسرائيلي في غزة أو الضفة الغربية أو القدس.

وفي الجانب الإسرائيلي، يرفض نتنياهو وشركاؤه في الائتلاف، مثل يسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش وبن غفير، أي مسار لدولة فلسطينية معتبرين ذلك "مكافأة للإرهاب".

بل يطالبون بتوسيع تفويض القوة الدولية لنزع سلاح حماس تحت الفصل السابع، مع رفض إعادة الإعمار دون تحقيق ذلك، مما يعزز المخاوف من أن يصبح المشروع غطاءً لاستمرار السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة.

ومن هنا يأتي اعتراض روسيا والصين وقلقهما من أن المشروع لا يأخذ "حل الدولتين" أساساً للتسوية الدائمة، إضافة إلى غياب آليات مراقبة من المجلس أو تفاصيل واضحة حول دور السلطة الفلسطينية.

لذلك قدّمت روسيا مسودة بديلة تركز على وقف إطلاق النار والإعمار والالتزام بقرارات الأمم المتحدة دون "مجلس السلام" أو نشر فوري للقوة، لتجنب التغييرات الديموغرافية أو الإقليمية في غزة، فضلاً عن أن المشروع قد يعيق الاستقرار إذا فشل في تحقيق سيادة فلسطينية حقيقية.

وهذا يرجح التصويت بالفيتو من روسيا والصين، مما يهدد السلام الهش. وقد حذّرت الولايات المتحدة من عودة القتال إذا لم يُمرّر هذا المشروع، في ظل هشاشة وقف إطلاق النار وتدمير الجيش الإسرائيلي لأنفاق حماس. أما في غزة، فيخشى السكان من توترات جديدة بعد فشل الإعمار.

ربما يمثّل إقرار المشروع خطوة شكلية نحو الاستقرار والإعمار المدعوم دولياً، غير أنه يحمل خطراً كبيراً على السيادة الفلسطينية من خلال فرض هيكل انتقالي خارجي، مع انتقادات تبرز انحيازه الواضح للاحتلال الإسرائيلي، وعدم وجود ضمانات حقيقية ملزمة لإنهاء الاحتلال أو تحقيق حل الدولتين.

ومن هنا فإن الفصائل الفلسطينية ترفض المشروع وتدعو إلى عدم التصويت عليه لصالح قرار يعزز السيادة الوطنية، بينما يُنظر إلى الدعم العربي كعامل يمهّد لتمريره رغم المخاطر والتحديات وانعدام الضمانات الملزمة لإسرائيل.

وقد يحدد هذا التصويت مسار غزة لسنوات، اعتماداً على التوازن بين الدعم الإقليمي والمعارضة الدولية.