البطل الحقيقي في المشهد الأخير بمحكمة دمنهور.. القصة الكاملة لقضية سبايدر مان الصغير |عاجل
البطل الحقيقي في المشهد الأخير بمحكمة دمنهور.. القصة الكاملة لقضية سبايدر مان الصغير |عاجل
كان صباح المحكمة مختلف، الهواء بارد، والممرات ممتلئة بالهمسات، والأعين تتجه إلى الباب في انتظار لحظة دخول بطل صغير، طفل نحيل، يرتدي بدلة سبايدر مان الحمراء والزرقاء، ويمسك بيد والدته بكل ما تبقى من شجاعة داخله.
ياسين لم يكن يدرك تمامًا معنى «جلسة استئناف»، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا، أنّه يعود إلى المكان الذي تغيّر فيه كل شيء.
خطواته الصغيرة على أرض المحكمة كانت أهدأ من دقات قلبه، كلما لمح فرد أمن ضمّ لعبته إلى صدره، كلما ارتفع صوت أحد الحاضرين وضع يديه على أذنيه، ورغم ذلك جلس، وانتظر، واستمع، وبعد ساعات من المرافعات والدفوع وقراءة الأوراق، جاء الصوت الذي انتظرته الأسرة لأشهر طويلة «السجن 10 سنوات للمتهم البالغ 78 عامًا».
لم يصرخ ياسين، ولم يبتسم، لكنه تنفّس، نَفَس واحد يشبه خروج حجر كبير عن صدره الصغير، نَفَس ربما كان بداية أول خطوة نحو التعافي.
البداية.. يناير 2024
كان يومًا دراسيًا عاديًا، ياسين يذهب إلى المدرسة بنفس حقيبته المرسوم عليها «الأبطال الخارقون» وبابتسامة صغيرة يعرفها أصحابه، لكنه عاد ذلك اليوم بوجه غير وجهه، وصمت غير صمته، وخوف لم يعتد عليه أحد في منزله.
قدمت الأسرة بلاغًا تتهم فيه موظفًا يبلغ 78 عامًا، يعمل مديرًا ماليًا بالمدرسة، بالاعتداء على الصغير داخل حمّام الطلاب، تحريات المباحث وأقوال المعلمين، وحديث الأسرة ونظرات الطفل، كلها تجمعت في ملف واحد، حمل رقم 33773 لسنة 2024، كان الملف كبيرًا، لكنه لم يكن أكبر من الألم الذي حمله الطفل بعدها.
المواجهة.. ده هو «مستر صابر»
استمعت النيابة لأقوال ياسين لساعات، طفل لم يتعلم بعد صياغة الجمل الطويلة، لكنه وصف الرجل: «لحيته، صوته، هدومه، اسمه»، جاءت لحظة المواجهة، وضعت النيابة أمامه 4 رجال يشبهون المتهم، نظر إليهم واحدًا واحدًا، لم يختبئ خلف والده، لم يتردد، «هو ده مستر صابر»
عاد المحقق ورتّب الرجال بطريقة مختلفة، دخل ياسين مرة أخرى، وأشار إلى الرجل نفسه دون تلعثم، كانت تلك اللحظة المفتاح الأهم في مسار القضية.
الطب الشرعي.. والتفاصيل الرمادية
في 14 فبراير 2024، خضع ياسين للكشف الطبي، تقرير الطبيب الشرعي كان معقدًا: «لا إصابات قاطعة تشير لاعتداء مباشر، اتساع بسيط يمكن تفسيره طبيًا بطرق مختلفة، لا يمكن الجزم بالسبب أو التوقيت»، آنذاك التقرير لم يغلق الباب، ولم يفتحه بالكامل، وترك القضية في مساحة بين الأبيض والأسود، بين الشك واليقين.
داخل المدرسة.. شهادات تتقاطع
الأخصائية الاجتماعية تحدثت عما سمعته من أولياء الأمور، مديرة المدرسة تحدثت عن تغيّر سلوك الطفل، زملاء ياسين قالوا إنه «كان خايف يدخل الحمّام، الأب والأم أكدا أن ابنهما لم يعد كما كان»، أثناء استجوابهم أمام محقق النيابة العامة، أما المتهم فأنكر جميع الاتهامات المنسوبة إليه تمامًا، أمام المحقق.
ملف القضية كان بداخله كل شهادة تحمل جزءًا من الصورة، لكنها لم تكملها، الصورة اكتملت لاحقًا في المحكمة.
المشهد الأول.. حكم المؤبد
بعد جلسات مطوّلة، ومرافعات مضنية، صدر حكم أول درجة «السجن 15 سنة للمتهم».. كانت لحظة ثقيلة، انفجر أهل الطفل في بكاء صامت، بينما جلس المتهم بلا حركة، لحظة فارقة لكنها لم تكن النهاية.
المشهد الأخير.. حكم اليوم
اليوم، في جلسة الاستئناف، دخل ياسين ببدلة «سبايدر مان»، جلس خلف والدته يراقب الوجوه، يحاول أن يتصرف كبطل خارق، ثم جاء الحكم «السجن 10 سنوات للمتهم»، خرج الطفل من المحكمة، يمسك يد والدته بقوة، ولأول مرة منذ 14 شهرًا لم ينظر خلفه، ربما لأنه شعر — ولو قليلًا — أنّ العدالة لم تنسَه، وأنّ البطل الذي كان يبحث عنه طوال رحلته، كان في داخله هو.