إدارة «بايدن» تجنبت الصدام.. تحذيرات مبكرة من انتهاكات إسرائيلية في غزة واجهت الصمت
إدارة «بايدن» تجنبت الصدام.. تحذيرات مبكرة من انتهاكات إسرائيلية في غزة واجهت الصمت
تكشف شهادات ووثائق ومداولات داخلية سابقة أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن كانت على دراية مبكرة بالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة منذ الأسابيع الأولى للحرب، لكنها اختارت تجنب اتخاذ موقف علني أو قانوني واضح، في وقت حافظت فيه على دعم سياسي وعسكري واسع لتل أبيب.
على مدى العام الماضي، ظهرت تقارير متعددة حول الجدل داخل وزارة الخارجية الأمريكية بشأن قانونية السلوك العسكري الإسرائيلي، وتظهر هذه التقارير إلى جانب شهادات مسؤولين سابقين صورة أكثر تعقيدًا لنقاشات داخلية لم تترجم إلى سياسات عملية، رغم ما تضمنته من تحذيرات صريحة من خبراء قانونيين ودبلوماسيين.
الضربات الإسرائيلية على غزة.. جرائم حرب
تشير وثائق منشورة سابقًا وتقارير إعلامية إلى أن محامين في مكتب المستشار القانوني بالخارجية الأمريكية أبلغوا وزير الخارجية أنتوني بلينكن، في اجتماعات خلال ديسمبر 2023، بأن العمليات الإسرائيلية في غزة «قد ترقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني»، وأن بعض الضربات قد تصنف كجرائم حرب.
وكانت وكالة «رويترز»، أول من نشرت تقرير يقول إنه في وقت مبكر من ديسمبر 2023، أبلغ محامون من المكتب القانوني بوزارة الخارجية بلينكن في اجتماعات أنهم يعتقدون أن السلوك العسكري الإسرائيلي في غزة يرقى على الأرجح إلى انتهاكات للقانون الإنساني الدولي وجرائم حرب محتملة.
ورغم هذه التقييمات المبكرة، لم تصدر الخارجية أي قرار رسمي، ولم تربط المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بأي قيود تتعلق بحماية المدنيين، وهو ما أثار لاحقًا انتقادات واسعة داخل وخارج واشنطن.
«بلينكن» واستخدام مصطلح التطهير العرقي
وتظهر روايات أخرى أن بلينكن استخدم مصطلحات حادة في النقاشات الداخلية لوصف ما يجري، بينها عبارة «التطهير العرقي»، خلال نقاشات مع كبار المسؤولين، في حين سعى موظفون متخصصون في القانون الدولي للحصول على إحاطة استخباراتية حول هذه المخاوف، لكن طلبهم رُفض، ما حد من قدرة الخبراء القانونيين على تقديم تقييم رسمي.
ويقول مسؤول أمريكي سابق في وزارة الخارجية، قدم استقالته احتجاجًا على سياسات الإدارة تجاه غزة، لـ«الوطن» إن هذه الروايات تتسق مع الواقع الداخلي الذي شهده خلال سنوات عمله.
وأضاف أن التقارير تكشف نمطًا واضحًا داخل وزارة الخارجية الأمريكية، وهو إدراك للمخاطر القانونية والإنسانية، في المقابل، إحجام سياسي عن اتخاذ موقف قد يفسر على أنه انتقاد لإسرائيل.
ويشرح المسؤول أن محامي الخارجية كانوا يتجنبون إصدار أي أحكام قانونية صريحة دون توجيه مباشر من مسؤول كبير معين من مجلس الشيوخ، وهو ما سمح للقيادة السياسية بتجنب أي التزام قانوني.
كما أشار إلى أن لجان التدقيق في انتهاكات الجيش الإسرائيلي، التي شارك في أعمالها عام 2022، كانت تمتلك معلومات كافية لمراجعة نماذج معينة من السلوك العسكري، يقول: «لكن كبار المسؤولين اختاروا عدم الخوض في التفاصيل، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى صدام سياسي غير مرغوب فيه».
وأكد المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية، أن الكثير من المسؤولين كانوا يدركون طبيعة الانتهاكات في غزة، لكن غياب الإرادة السياسية حول كل النقاشات إلى مجرد محاضر داخلية لا تأثير لها على الأرض.
وتشير تقارير إلى أن الإدارة الأمريكية، خاصة في العامين الأخيرين، كانت تخشى من أن يؤدي أي انتقاد علني لإسرائيل إلى تداعيات سياسية داخلية، خصوصًا في ظل حساسية الملف داخل الكونجرس وخلال الفترة الانتخابية.
معاناة إنسانية هائلة في غزة
لكن هذا الحذر، بحسب المسؤول السابق، كان له ثمن كبير: «النتيجة كانت معاناة إنسانية هائلة في غزة، وتقويضًا لمصداقية الولايات المتحدة الدولية، الصمت السياسي لم يغير الواقع، بل جعل الكلفة أعلى على الجميع».
ويقول المسؤول السابق لـ«الوطن» إن ما يجري الآن هو نتيجة تراكمات: «إصرار إدارة بايدن على تجنب أي نقد لإسرائيل في بداية الحرب أدى إلى النتيجة العكسية تمامًا، الآن نشهد تحولًا بطيئًا لكنه واضح، سببه ليس فقط الضغوط الخارجية بل أيضًا القلق المتصاعد داخل مؤسسات الدولة الأمريكية نفسها».