الصين تبدأ توظيف «ديب سيك» عسكرياً.. ومؤسسة أمريكية تحذر من تزايد قدرات «بكين» في «الحروب الذكية»
الصين تبدأ توظيف «ديب سيك» عسكرياً.. ومؤسسة أمريكية تحذر من تزايد قدرات «بكين» في «الحروب الذكية»
حذرت مؤسسة «جيمس تاون» الأمريكية للأبحاث من تزايد قدرات الصين في إدارة «الحروب الذكية»، من خلال ربط تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالبنية التحتية الأمنية والعسكرية، ورصدت دراسة تحليلية، صدرت عن المؤسسة المهتمة بالشأن الصيني والآسيوي، بدء توظيف تطبيق «ديب سيك»، أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصينية تطوراً، في الاستخدامات الأمنية والعسكرية، فى ضوء توجه القيادة السياسية فى بكين نحو تعزيز القدرات الصينية على إدارة «الحروب الذكية».
تدشين بنية تحتية قائمة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية
وأكدت المؤسسة الأمريكية، فى دراسة نشرتها ضمن دورية «الملف الصيني»، أن هناك بيانات ومعلومات تشير لطلب «جيش التحرير الشعبي»، وهو الاسم الرسمي للجيش الصيني، تدشين بنية تحتية قائمة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية، مثل «ديب سيك»، لاستخدامها فيما يُعرف بـ«C4ISR»، والتي تعنى استخدام الذكاء الاصطناعي فى شبكة القيادة والسيطرة، وفى الاستخبارات والمراقبة وأعمال الاستطلاع، وأوضحت أن التوجه يتضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي بمثابة «ركيزة تشغيلية» للجيش الصيني فى المستقبل.
وأوضحت الدراسة أن توجه الجيش الصيني لتوظيف تطبيق الذكاء الاصطناعي «ديب سيك» فى استخدامات العسكرية يأتي ضمن رؤية بكين بأهمية «الاستقلال التكنولوجي»، خصوصاً أن النموذج الصيني يقوم على معالجات محلية، ما يقلل وصول الغرب إلى معلومات استراتيجية ومهمة متعلقة بالجيش الصيني، ويحقق «السيادة الخوارزمية» لبكين على بياناتها، مشيرة إلى أن الدراسات الصينية تشير إلى أن «ديب سيك» يخفض استهلاك الطاقة التى تحتاجها نماذج الذكاء الاصطناعي للحصول على البيانات وتحليلها بنسبة 40%، مقارنةً بغيرها من التقنيات، وهو ما يجعلها مناسبة جداً للتطبيقات الميدانية.
ونقلت المؤسسة الأمريكية عن خبراء من الجامعة الوطنية لتكنولوجيا الدفاع الصينية قولهم إن البنية التحتية في الصين تسمح لـ«ديب سيك» بمعالجة بيانات ومخرجات متعددة المصادر، مثل بيانات الرادار، والأقمار الصناعية، والمراقبة عبر الطائرات بدون طيار، لسرعة تحليل البيانات الواردة، ما يمكن القادة العسكريين من اتخاذ قرارات تكتيكية سريعة، وتعديل تحركاتهم، وفق معطيات آنية.
استخدام «ديب سيك» فى ميادين الحرب الإلكترونية
وأشارت الدراسة إلى أن استخدام «ديب سيك» فى ميادين الحرب الإلكترونية يعد واحداً من أبرز السيناريوهات التى تبرر توجه الجيش الصيني لهذه التطبيقات، في ظل قدرته على العمل على منصات صغيرة، مثل الطائرات المسيّرة، بفضل صغر حجم النموذج، مقارنةً بالنماذج التقليدية الضخمة.
وأوضحت الدراسة التحليلية الأمريكية أن هناك نقاشاً داخل القيادة العسكرية الصينية حول جدوى «ديب سيك» فى «أدوار تشغيلية»، فبينما يدعو بعض المحللين إلى نشر واسع للمنظومة، يُحذر آخرون من مخاطر متعلقة بزمن الاستجابة، وبتقلب الأداء فى ظروف «الضغط الشبكى»، وصعوبة التكرار فى نتائج الاستدلال، خاصة عند تطبيقها فى مهام مستقلة أو ميدانية. وقالت: «وفقاً لأبحاث معاهد دفاعية، النموذج الضخم (R1) لا يناسب التشغيل على المنصات الصغيرة، بينما النسخة المدمجة (V3)، على الرغم من صغر حجمها، قد تفتقر إلى عمق التفكير، وأحياناً تولد مخرجات تكتيكية عالية المخاطرة، مثل تخصيص أهداف عدوانية، كما أن هناك من يشير إلى ضعف التفسير والمساءلة، خاصةً إذا ما اعتمدت قرارات قتالية على مخرجات هذا النظام، دون رقابة بشرية صارمة».
وتابعت: «يرى بعض مؤيدى منظومة ديب سيك فى الجيش الصينى أن هذه العيوب لا تقلل من أهميته، بل تشكل جزءاً من عملية تحول مُدارة بعناية، فهؤلاء يصفون المنظومة بأنها مسرّع تكنولوجى وتجربة عقائدية فى آن واحد، وهى تتوافق مع توجه الصين لبناء شبكات قتالية مرنة ذاتية التمكين، قادرة على العمل داخل بيئات معتمدة على الذكاء الاصطناعى، وفى المقابل، يشددون على ضرورة وجود رقابة إنسانية متعددة الطبقات، تشمل التحقق من صحة النماذج، تتبع العلامات المائية، ومصادقة متعددة العوامل، لضمان أن يبقى القرار البشرى حاضراً حتى فى أنظمة متقدمة كهذه».
استخدام الشرطة الصينية وقطاع الأمن العام الصينى
وكشفت الدراسة عن بدء استخدام الشرطة الصينية وقطاع الأمن العام الصينى لتطبيق «ديب سيك» فى العديد من الاستخدامات، عبر تجارب لتوظيفه فى أنظمة المراقبة بالفيديو، عبر تحليل وجوه الناس، ومركباتهم، وسلوك الحشود فى وقت الحدث، ما يحول المراقبة من مجرد جمع بيانات إلى نظام تنبؤ استباقى، يُتيح تحديد المخاطر قبل حدوثها.
وواصلت: «الشرطة الصينية تحاول استخدام ديب سيك لتبسيط الإجراءات الإدارية، عبر توليد تقارير الحوادث ودمج بيانات القضايا، ودعم اتخاذ القرار للميدانيين، وهو ما يقلّل من الاعتماد على اليد العاملة فى المهام الروتينية ويعدّ بالكفاءة الأعلى»، وواصلت: «ومع ذلك، تبقى هذه التطبيقات فى كثير من الأحيان فى مرحلة تجريبية، فما زالت المكاتب الأمنية المحلية تعتمد بشكل كبير على العمل البشرى فى العمليات اليومية، أما تطبيق ديب سيك فغالباً ما يُستخدم لصياغة المستندات والمهام الأساسية الأخرى فى هذه المرحلة».
واختتمت المؤسسة الأمريكية الدراسة بالقول إن بعض الأبحاث تذكر أن «ديب سيك» هو أداة لـ«تمكين الحوكمة المعتمدة على الاستخبارات»، عبر تحديد «البقع الساخنة أمنياً»، قبل أن تصبح تهديدات فعلية، من خلال تحليل تدفقات حركة المرور، والسلوك الإلكترونى، والمعلومات الديموجرافية، غير أن الدراسة لا تتجاهل المخاطر المحتملة، فبعض الأصوات، داخل الصين، تعترف بمخاوف تتعلق بأمن البيانات، وباحتمالية وجود «تحيّزات خوارزمية»، ما يثير تساؤلات حول مدى مسئولية استخدام الذكاء الاصطناعى فى مهام أمنية حساسة، إلا أن «الاتجاه العام داخل الأجهزة الأمنية الصينية واضح»، عبر عزمها على توظيف «ديب سيك»، ودمجه فى الهيكل المؤسساتى للأمن القومى، مع تعزيز قدرات الشرطة على مواجهة التهديدات، ضمن منظومة القيادة والسيطرة.