سامح فايز يكتب: إخوان البلوك تشين (1)
سامح فايز يكتب: إخوان البلوك تشين (1)
ركزت عناصر الإخوان المقيمة فى الغرب -حركة ميدان- جهدها الفترة الأخيرة على محاولة توظيف المصريين فى الخارج ضد الدولة. وبذلت عناصر الجماعة مجهوداً تُحسد عليه سواء عن طريق التظاهر أمام السفارات المصرية فى الخارج أو محاولة إحراج الوفود الدبلوماسية المصرية فى أثناء زيارتها لدول الاتحاد الأوروبى.
لكن ما لفت نظرى فى تلك التجمعات، التى لم يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، أن أغلبهم شباب خرج من مصر على خلفية اتهامات بالإرهاب، ومنهم من سُجن بالفعل على خلفية اشتراك فى عمليات عنف. ومن بين هؤلاء شاب يدعى أنس حبيب. لفت نظرى بقناته على يوتيوب التى امتلأت بفيديوهات خفيفة بعيدة عن السياسة قبل عام واحد من الآن. فيديوهات عن مصرى سائح فى أوروبا. وأخرى عبارة عن مقالب كوميدية ضد شعوب تلك الدول عن طريق المهاجر المصرى. لاحقاً تحولت تلك الفيديوهات إلى السياسة فقط بشكل يضع العديد من علامات الاستفهام. ومن بين تلك الفيديوهات شاهدت واحداً يتحدث فيه أنس حبيب عن التداول الرقمى، وهى مسألة عبارة عن استثمارات أشبه بالتداول فى البورصة لكنها تتجه ناحية العالم الافتراضى. وهو الطريق الذى جذب غالبية شباب الإخوان فى الخارج؛ فعملية التداول آمنة وبعيدة عن التتبع وعملاتها رقمية. كان عالمَاً جديداً رغبت فى فهم أبعاده فأدركت أننا متأخرون جداً فى ملاحقة عناصر الإخوان ومحاولاتهم للفرار والاختباء أو حتى العودة من جديد داخل أشكال مختلفة!
لكن قبل الحديث عن التداول من المهم إلقاء نظرة عن البلوك تشين، التقنية التى جعلت من التداول الرقمى مسألة ممكنة وآمنة. البلوك تشين هو أحد الابتكارات التقنية الأكثر تأثيراً فى العالم الرقمى خلال العقد الأخير، وقد ظهر أساساً كحل لمشكلة الإنفاق المزدوج التى كانت تعيق العملات الرقمية منذ بداياتها. قبل ظهور البيتكوين؛ فقد حاول العديد من العلماء والمبرمجين ابتكار عملات رقمية قابلة للاستخدام، لكنهم واجهوا مشكلة أساسية: كيف يمكن ضمان أن العملة الرقمية لم تُستخدم أكثر من مرة دون وجود بنك مركزى يتحقق من كل معاملة؟ فأنت على الإنترنت تستطيع شراء أكثر من منتج بنفس العملة دون أن ينتبه أحد لك. أو أن تبيع الشىء نفسه لأكثر من شخص دون ضمان حقوق المشترى.
كانت الحاجة إلى حل يعتمد على الثقة بلا وسطاء هى ما دفع إلى تطوير البلوك تشين، الذى يمثل سجلاً موزعاً يُسجّل فيه كل المعاملات الرقمية بطريقة لا يمكن تعديلها بعد تسجيلها، ويُنسخ على آلاف العقد داخل الشبكة، مما يجعل أى محاولة للتلاعب شبه مستحيلة.
فى عام 2008، ظهر شخص أو مجموعة تحت اسم ساتوشى ناكاموتو، ونشروا الورقة البيضاء للبيتكوين، التى حددت لأول مرة التصميم الكامل للعملة الرقمية بطريقة عملية. الورقة جمعت بين مفاهيم متعددة موجودة قبل ذلك، مثل التوقيعات الرقمية، السجلات الموزعة، ونظام إثبات العمل، لكن بطريقة متكاملة تسمح بإدارة الأموال الرقمية بشكل آمن ولا مركزى. هذه الابتكارات مكّنت البيتكوين من أن يكون أول عملة رقمية تعتمد بالكامل على سجل موزع، دون الحاجة لأى سلطة مركزية، وهو ما أسس مفهوم البلوك تشين كما نعرفه اليوم.
بين عامى 2009 و2013، بقى استخدام البلوك تشين محدوداً على معاملات البيتكوين، وكانت معظم الابتكارات التقنية تركز على زيادة سرعة الشبكة وتقليل تكاليف التعدين وحماية المعاملات. ومع ذلك، ظهرت الحاجة إلى توسيع استخدام البلوك تشين إلى ما هو أبعد من العملات الرقمية، وهو ما تحقق مع إطلاق شبكة إيثريوم عام 2015. قدمت إيثريوم مفهوم العقود الذكية، وهى برامج صغيرة تُخزن على البلوك تشين وتنفذ تلقائياً عند تحقق شروط معينة. هذه العقود فتحت المجال لتطبيقات واسعة مثل التمويل اللامركزى DeFi، الرموز غير القابلة للاستبدال NFTs، سلاسل التوريد، وإدارة الهويات الرقمية. أيضاً Web3 أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالبلوك تشين، حيث يوفر بيئة لا مركزية يستطيع المستخدمون فيها التحكم الكامل فى بياناتهم وأصولهم الرقمية.
ومع هذه التطورات، أصبح من المهم فهم الفارق بين البيتكوين والبلوك تشين، حيث يظل البيتكوين مجرد أول تطبيق عملى للبلوك تشين، بينما يمكن استخدام البلوك تشين لأى بيانات أو تطبيق رقمى. العقود الذكية، على سبيل المثال، تسمح بتطبيق شروط دقيقة على المعاملات الرقمية، دون الحاجة لأى وسيط، سواء فى التمويل، العقارات، سلاسل الإمداد، أو الملكية الفكرية.