حجاج أدول: ابن قريتي صاحب اقتراح استخدام اللغة النوبية كشفرة في حرب أكتوبر.. والسد العالي «الملهم» في تحطيم خط بارليف
حجاج أدول: ابن قريتي صاحب اقتراح استخدام اللغة النوبية كشفرة في حرب أكتوبر.. والسد العالي «الملهم» في تحطيم خط بارليف
حوار - السيد العديسى ..تصوير - أحمد ناجى
حين يسافر شاعر أو روائى أو قاص إلى الإسكندرية يكون أمامه اختياران، إما قضاء المصلحة التى من أجلها جاء أو زيارة الكاتب الكبير حجاج أدول، فى بيته.. تلك الزيارة بمثابة الدليل الدامغ الذى لا يقبل الشك على أنه زار المدينة الساحلية الجميلة، واستمتع بصحبة الأدباء الذين سيجد معظمهم فى بيته أيضاً.. «عم حجاج» كما يحب أن ينادونه، كاتب نوبى يقسم عمره بين الكتابة ورؤية الأحبة وفى الفترة الأخيرة خصص مضطراً بعض الوقت لزيارة الأطباء، لكنه ورغم ذلك يعيش بشغف طفل بدأ للتو فى اكتشاف العالم من حوله، وبصبر بنّاء يُشيد عالمه الروائى «طوبة طوبة». وقال فى حواره لـ«الوطن» إنه حين تنسحب قوى المجتمع الإيجابية وتترك الفراغات تُسرع القوى السلبية المتشددة لتملأها وتستحوذ على عقول النشء.
■ اللغة النوبية كانت الشفرة المعتمدة من القيادة المصرية أثناء حرب الاستنزاف والعبور، كما أنك كنت جندياً آنذاك، حدثنا عن الأمر!
- صاحب فكرة استخدام اللغة النوبية كشفرة فى هذا الوقت هو ابن قريتى النوبية أحمد إدريس رحمه الله. كان متطوعاً ووصل إلى درجة صول، وكان رجلاً طيباً جداً ومتواضعاً للغاية، مثل كل أهالينا، وكان هو فى هذه الفترة يعمل سائقاً لدى رتبة عسكرية كبيرة. ويوماً أثناء قيادته للعربة الجيب العسكرية ومعه قائده واثنان من القيادات، سمع حيرتهم، فكلما وضعوا شفرة تقوم إسرائيل بفكها. فقال لهم ببساطة، لماذا لا تستخدمون اللغة النوبية، وهى لغة لا يتحدث بها سوى أبناء النوبة، فاجتمعوا وطرحوا الفكرة. وببعض البحث وجدوا أن هناك نوبيين كثيرين يتقنون اللغة النوبية ويوجدون كمقاتلين، وفعلاً استخدمت الفكرة بنجاح على مستوى كبير جداً من القوات المسلحة، وامتدت حتى العبور، دون أن ينجح العدو فى فهمها.
خلال أيام حرب الاستنزاف عدد من النوبيين يتسللون عابرين إلى الجهة الأخرى من القناة. ينتشرون فى أعالى الجبال وأسطح خزانات المياه فى سيناء. يراقبون تحركات العدو. ينقلون ما يشاهدونه لزملائهم النوبيين الموجودين فى مراكز استقبال الإشارات. مثلاً حين يلمح أحمد إدريس دبابة أو أى مركبة تتحرك، فيقول بالنوبية فى المنطقة كذا تتحرك دبابة «أُشْرِيه» أى اضرب. فكانت تلك المجموعة النوبية ذات أثر فعّال فى حرب الاستنزاف، وعززت القوة المصرية وقت العبور.
وعرفت بعد ذلك من «إدريس» نفسه، أنه بعدما اقترح فكرة استخدام اللغة النوبية وقبل التنفيذ، جاءت الشرطة العسكرية واصطحبوه معهم وأخذوه إلى مبنى فى القاهرة. أصابه القلق، فماذا فعلت لتأتينى الشرطة العسكرية وكأننى قد ارتكبت جُرماً! ذهبوا به إلى المبنى، دخل وحده فى غرفة فوجد الجالس أمامه هو الرئيس أنور السادات. شكره الرئيس وقال إنهم سينفذون فكرته، لكن عليه ألا يتحدث بها أو حتى يتباهى بها مع أسرته.
التزم إدريس بكلمته للقيادة، ولم يقل هذا الكلام حتى بعد الحرب، هو بطل وآثر الصمت، وحين ادعى آخر أنه صاحب الفكرة، اضطر «إدريس» أن يتكلم. ثم تم تكريمه من الرئيس عبدالفتاح السيسى، وعليه تلقفت وسائل الإعلام حكايته هو ومن معه من النوبيين.
وأذكر أنه كان هناك حفل فى مسرح الأوبرا لتكريم بعض المشاركين فى حرب أكتوبر، وجلسنا معاً، نتحدث ونتذكر ما حدث، وتلك أعتقد كانت المرة الأخيرة التى أراه فيها رحمة الله عليه.
■ هذا فيما يخص اللغة النوبية، فماذا عن فكرة مدفع المياه المستخدم لاختراق خط بارليف؟
- عملت فى السد العالى خمس سنوات. كان المهندس باقى زكى يوسف مشرفاً فى استخدام مدافع المياه لإزالة تلال الرمال والتراب، فالبلدوزات لم تكن تُجدى هنا. ثم تم تجنيده ضابط احتياط. وسمع زملاءه من الضباط يتحدثون عن عقبة كأداء هى الساتر الرملى العالى على ضفة القناة المقابلة ارتفاعه ما بين 18 و20 متراً، والذى لا تؤثر فيه ولا تزيله أقوى دانات المدافع. فقال لهم كيف كانوا يتصرفون بمدافع المياه خلال العمل فى السد. القيادات اقتنعت بالفكرة ونفذتها بنجاح مذهل واختارت جبال الرمال فى بعض المواقع، فتمكنت دباباتنا وعرباتنا من العبور خلالها. أما بقية الأماكن فكان الجنود يصعدونها وهم محملون بأسلحتهم وخوذاتهم وذخيرتهم، وهى ذات وزن ثقيل. بعض الجنود حملوا على أكتافهم الرشاشات الثقيلة ومدافع «ب 10» وصعدوا جبال الرمال. كان الضباط مع الجنود كتفاً بكتف، لذلك كان أول شهيد فى كتيبتى هو قائدنا العقيد عادل يسرى، وأول جريح كان الرائد عمر. ثم الرقيب محمد مسعد.
خدمت 7 سنوات فى الجيش وأخذت بثأر وطنى
■ حدثنى عن ظروف التحاقك بالجيش فى هذا الوقت.
- أنا خدمت سبع سنوات، كتيبتى جاءت من اليمن ومباشرة دخلت سيناء واشتركت فى حرب 1967. التحقت بها وسمعت من زملائى القدامى ما حدث وكيف خسروا عدداً من الشهداء، فحملت ثأراً مضاعفاً. ثأرى كمواطن مدنى وثأرى كجندى طُعن فى كرامته فى حرب لم يحارب فيها. كان الأمر مهيناً للغاية. أردنا أن نرد هذه الإهانة ونرفع رؤوسنا، وهذا ما حققناه فى معارك الاستنزاف التى أثبتنا فيها أننا جيش عظيم، ثم العبور المذهل الذى لم يتخيل حدوثه قيادات إسرائيل الذين ركبهم الغرور.
تعب قلبى وكاد يتوقف وأصابنى «السرطان» فصرفت مدخراتى ومدخرات زوجتى حتى منّ الله علىّ بالشفاء
ليس هناك إنسان لا يخاف. لكن الشجاع هو من يتخطى الخوف. كنا جنوداً نعرف أن أسفل مياه القناة توجد مضخات نابالم زرعها الصهاينة، وكنا نعلم شراسة خط بارليف الذى لا يُقهر كما كان يظن الجميع. وكنا نعرف أيضاً تفوق عدونا فى سلاح الطائرات والمدرعات. ضفادعنا البشرية أغلقت صنابير النابالم المبثوثة تحت المياه. وحائط صواريخنا أطاح بطائرات العدو. وعبرنا ودخلنا صحراء سيناء المفتوحة، فجاءت دباباتهم بهديرها المفزع. لم تكن دباباتنا قد وصلت، ومعروف أن الدبابات تكتسح المشاة غير المدعومين بدباباتهم. أى علينا الانسحاب، لكن العكس ما حدث. بقينا على الرمال نتحمل دانات ورشاشات الدبابات حتى وصلت لمدى قواذفنا البسيطة «آر. بى. جى»، وحطمنا عدداً من دباباتهم التى فرّت هاربة بدلاً من أن نهرب نحن! وكان هذا جديداً غريباً فى علم الحرب. وقتها زميلى عبدالجواد حطم دبابة بسلاح «آر. بى. جى» يعتبر قديماً ودبابات العدو حديثة مرعبة. وبالمدافع المضادة للدبابات حطم عبدالله الأقصراوى ثلاث دبابات. كنت أطلق عليه عبدالله تحتمس. وغيرهما الكثير من الأبطال.
حدثت الثغرة فعادت كتيبتنا للخلف. وصلنا لضفة القناة الشرقية. شاهدنا عدداً من الدبابات والعربات آتية ناحيتنا. كانت ستصل لجانب من كتيبتنا. زملائى هناك تداخلوا معاً ووضعوا كفوفهم فوق بعضها وقرأوا الفاتحة والمسيحى قرأ من إنجيله. أقسموا ألا ينسحبوا. سيموتون هنا ولن تتكرر 67. المفاجأة أن المركبات الآتية كانت مصرية. عبرنا القناة للغرب وأحطنا بالقوات الإسرائيلية التى كانت تخطط لغلق طريق القاهرة الإسماعيلية. تصادمنا مع العدو وأوقفناهم على ضفة ترعة اسمها «نفيشة» وعند قرية «أبوعطوة» دار قتال شرس فقدت فيه إسرائيل ثلاث دبابات ومدرعتين. وبالقرب من هذا المكان، بنى شاعرنا عبدالرحمن الأبنودى بيته. ثم جاء كيسنجر وتوقف القتال.
■ ما الذى تتذكره كلما احتفلنا بالعبور العظيم؟
- أهم سلاح كان عزيمة المقاتل المصرى، كانت المفاجأة التى قالها «دافيد ألعازر» فيما أتذكّر، قال: المفاجأة الأساسية كانت الجندى المصرى. ففكرته عنا كانت جنود 67 الذين لم ينالوا فرصة القتال الحقيقى. لكن نحن تدربنا تدريباً بالغ المشقة، وتعلمنا أن العرق فى التدريب يوفر الدم فى القتال، وقد كان. ففى الحرب حين يواجهنا موقف قتالى ما، فبدون تفكير نتصرف كما تدربنا فى سرعة ومهارة.
■ هل كتبت عن فترة معايشتك للحرب أو عن أبطالها؟
- كتبت قصصا وأشهرها «يوم بكيتك يا فاروق» وكانت قصة إنسانية شجنية. وقصة عن بطل من أبطالنا هو العريف سيد مرسى. كان رقيباً ذا وسامة وكاريزما مدهشة. وقد أحبته فتاة يمنية خلال وجوده فى حرب اليمن. وكتبت عن الرقيب الشهيد محمد مسعد وغيرهما. لقد تعبنا خلال تلك السنوات الصعبة، بحيث كان من المستحيل أن يتأخر العبور عن عام 1973.
لا يعرف الناس أن إجازة الجندى كانت تُحسب بالساعات؛ أربع وعشرون ساعة، اثنتان وسبعون ساعة إلخ، لا يشعر الإنسان بقيمة براح الوقت إلا عندما يخرج أول مرة بعد الحرب، وأنا كنت بمفردى لا أعرف إلى أين أذهب: هل أجلس مع هؤلاء الأصدقاء أم أولئك؟ هل أذهب إلى الجمعية النوبية أم إلى المقهى أم إلا السينما؟ أدركت لأول مرة معنى حرية الاختيار، دون أن يشعر قلبى بدقات عقرب الساعة وهى تنذرنى بقرب انتهاء الإجازة. هذه نعمة لا يشعر بها إلا من عاش السجن أو الحرب.
والآن أرى أن أى حرب لا يجب أن تُخاض إلا للضرورة القصوى، للدفاع عن وطنى فقط. وأدعـو ألا تعيش الأجيال الجديدة ما عشناه. أتدرى أن ثمانين بالمائة من معدات الجيش فى 67 دُمّرت؟ وأن آلافاً ماتوا فى الصحراء، وبعضهم لا تزال عظامه مجهولة؟
كنت أعتزم كتابة رواية ملحمية عن حروبنا، أكتب رواية «الحرب والسلام» التى تخصنا نحن، لكن لم أستطع لأسباب كثيرة. متأكد أن جيلى الذى قاتل كل تلك السنوات فى كل تلك المعارك، لهم حق علىّ. أن أكتب عنهم. لقد قصّرت رغماً عنى، فقد بدأت الكتابة بعد الحرب بعشر سنوات والذاكرة تبهت عاماً بعد عام، وكان معينى المادى بالغ الضعف. من سنتين كتبت روايتى الحربية «بولاق الفرنساوى» وهى تبين تداخل الشعب المصرى جنوداً ومدنيين. فكما كنا جنوداً شجعاناً كانت عائلاتنا لا تقل عنا تحملاً.
فى الندوات كنت أبكى وأنا أقرأ قصص الحرب راوية عن رفقاء السلاح الذين استشهدوا، ثم رفضت القراءة فهى عذاب بالنسبة لى، حتى إن قرأ زميل لى قصة من قصص الحرب لا أتمالك نفسى فأبكى. ولا تنس أننى تقدمت فى السن وصرت طفلاً شائخاً. فى أكتوبر الماضى حضرت ندوة فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية. قلت للأديب منير عتيبة لن أقرأ أى قصة من قصصى، فقال عليك أن تحكى فقط. حكيت فبكيت.
■ حدثنا عن أدباء النوبة وتأثيرهم فى الأدب الحديث، فالكثير لا يعرفون سوى «الشمندورة» وكاتبها محمد خليل قاسم!!
- فى سنة 1948 كانت بدايات ما سُمى بالأدب النوبى، حين صدر ديوان «ظلال النخيل» لمحمد عبدالرحيم إدريس، وهو من أبناء النوبة، وكان شاعراً مجيداً فى العروض، وبعد ذلك بحوالى عشرين سنة، تقريباً فى عامى 1966 و1967، جاءت الموجة الثانية من الأدب النوبى بصدور رواية «الشمندورة» لمحمد خليل قاسم، ومعها ديوان «سرب البلشون»، وكان يضم ستة شعراء. «الشمندورة» كانت مثل رواية صبرى موسى «فساد الأمكنة» من حيث اكتشافها لأماكن مصرية جديدة وتنويعات من الشعب المصرى. ومرت حوالى عشرين سنة أخرى لتأتى الموجة الثالثة؛ صدرت المجموعة القصصية الرائعة «القمر بوبا» للأديب النوبى إبراهيم فهمى، بعدها مجموعتى «ليالى المسك العتيقة» التى فازت بجائزة الدولة سنة 1990، ثم الرواية المُشكل «دنقلة» لإدريس على.
إبراهيم فهمى لم يكن نوبياً لكنه عاش معنا فكان منّا وكنا منه
كان هناك جيل مميز مثل يحيى مختار وإدريس على وإبراهيم فهمى وهو من سلوى، شمال أسوان، أتى النوبة طفلاً وشب فيها فصار نوبياً، فالنوبة ثقافة وتقاليد وأعراف، تشربها هو مع عائلته فكان نوبياً مشعاً. إبراهيم كان أجمل صوت أدبى نوبى فى بدايات الثمانينات، كان قاصاً شاعراً رقيقاً حالماً.
سنة حكم «الإخوان» فضحت زيف تلك الجماعة وكشفت عباءة المظلومية التى كانوا يتباكون بها
■ كيف رأيت السنة التى حكم فيها جماعة الإخوان مصر؟
- كانت ابتلاء لا مفر منه. ومع كل بلاءات تلك السنة وآلامها، كانت الاستفادة الحقيقية فى كشف زيف تلك الجماعة، وكشف عباءة المظلومية التى كانوا يتباكون بها.
■ ماذا عن التشدد من وجهة نظرك؟ وما الذى يتوجب فعله كى نحافظ على النشء ونحميه من الأفكار الهدامة؟
- التشدد يتعاظم حين تضعف قوى المجتمع الصحى، وحين يضعف التعليم والإعلام والنقابات والاتحادات، وحين تنسحب قوى المجتمع الإيجابية وتترك الفراغات، فتُسرع القوى السلبية المتشددة لتملأها، وتستحوذ على عقول النشء.
■ الدعوة السلفية لها وجود فاعل نوعاً ما فى مصر، فهل أثر ذلك على المجتمع؟
- بالطبع، فهى دعوة تخلف. أساسها ليس تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا المصرية، بل تعمل بكل طاقتها لفرض شىء غريب عنا بحجة أنه الدين الصحيح. وأخطر ما فيها أنها لا تؤمن بالوطن، بل تعتبره خطيئة يجب حذفها، ففاعلية القوى السلفية تربك وتضعف قوانا الوطنية الإيجابية.
■ هل فعلاً نحن فى عصر الرواية؟
- لا، نحن فى عصر الصورة. عصر الشاشات التى بدأت بشاشة السينما ثم التليفزيون ثم الكمبيوتر، ثم شاشات التليفونات النقالة، فصار كل فرد يحمل شاشته فى جيبه. نحن فى عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى اللذين قفزا بقدرات السينما وزادا من سحرها، حتى احتوت فيما احتوت فن الرواية وغيرها.
■ جنوح دور النشر والقراء إلى الرواية، هل أضر بالقصة القصيرة؟
- أبداً، دور النشر والقراء يتلونون حسب الحالة الزمنية. كانت القصة سابقاً هى السائدة، وقبل القصة كان الشعر فاهتمت دور النشر بها والقراء. الآن الرواية هى الرائدة. غداً لا أعلم.
■ ما الجديد لديك؟
- أكتب منذ فترة فى ملحمة أسميتها «حكايات عبدالرحيم الوسيم»، وهى ملحمة تجمع بين روح «شهرزاد» والسيرة الشعبية، فشهرزاد تروى فى كل ليلة حكاية، وفى ملحمتى نتابع مسيرة بطل واحد، كبطولة عنترة أو أبوزيد الهلالى وأوديسيوس. فبطل ملحمتى عبدالرحيم الوسيم له حكاياته ومغامراته، لكن فى بعض المواقف يستمع لحكى إنسان آخر، فتكون تلك الحكاية منفصلة عن سيرة عبدالرحيم الوسيم. أى أن ملحمتى تجمع ما بين الأسلوبين الشهرزادى والملحمى.
وقد جاءت بعض هذه الحكايات صالحة لأن تكون روايات قائمة بذاتها، ففصلتها وجعلتها روايات مستقلة ونشرتها ولاقت قبولاً أسعدنى، وقيل عنها الواقعية العجائبية أو السحرية أو الخيالية.. إلخ، وفى عام 2014 على ما أذكر، بدأت أولاً نشر سبعة أجزاء من الملحمة، ثم تابعت العمل حتى بلغت قرابة ست عشرة رواية. ومن بينها روايات كتبتها بدافع عشقى للسفر، فكتبت رواية «جونجى وآلهة الهيمالايا» عن الهند، ورواية «ميشيما السامورى» وواضح أنها عن اليابان، ورواية تدور بين مارسيليا والإسكندرية وقد صنعت لها مدخلاً خاصاً. وهناك رواية أجلت نشرها لأنها تتعلق بالفايكنج القدامى، وأنا أعمل عليها الآن وهى تستنزفنى بدنياً ونفسياً. وحين أكتبها، سأبدأ فى استكمال بعض الكتابات القليلة ثم يليها «مونتاج» لضم الروايات بعضها مع بعض. حين أنهى ما اعتزمته إن شاء الله، ستكون ملحمتى ما بين ثمانى مجلدات وعشرة مجلدات، وكل مجلد يحوى ما يقارب أربع روايات وبعض التفاصيل. شخصياتى تقترب من الألف شخصية، وهذا يرهقنى نفسياً وبدنياً، خاصة بعد ما مررت به فى عام 2020، فقد كان قلبى ضعيفاً منذ البداية، ثم تعرضت لانهيار شديد لم أستطع تحمله.
ثم أصبت بالسرطان، ولم أخبر أحداً. واعتمدت على نفسى، ولم أُثقل على أهلى، ولجأت إلى العلاج الخاص لخطورة المرضين. بددت رصيدى المتواضع ومعه رصيد زوجتى الرائعة هدى أدّولة. ولما قاربت على إعلان إفلاسى المادى، فزت بالمركز الثالث فى جائزة الطيب صالح، فكانت منحة طيبة من الله تعزينى فى محنتى الدنيوية. وقت المرض كنت حين أشعر بتحسّن، أدخل فيس بوك وأكتب منشورات مرحة لا يتصور قرائى أننى مريض لهذا الحد. والآن الأمور مستقرة وأجرى الفحوصات بين فترة وأخرى. وبينما كنت فيما مضى رياضياً نشيطاً جداً. كان يأتى صديق لى ونسير بخطوات عسكرية لمدة ساعة ونصف تقريباً. أما اليوم، فالحمد لله أستطيع المشى عشرين أو ثلاثين دقيقة وأقول الحمد لله، لقد أتممت اثنين وثمانين عاماً منذ فترة قريبة.
منذ سنين كنت أدعو الله أن يعطينى العمر والصحة لأستكمل ملحمتى الشهرزادية، ثم من سنتين صرت أدعو الله كى يتركنى أعيش لأستكمل الملحمة ورواية أخرى، لكن منذ العام الماضى دعوت الله أن يمنحنى الفرصة لأستكمل ملحمتى وروايتين إضافيتين ومجموعة قصصية، وأقول: يا رب.
القوى الناعمة
القوى الناعمة تبادلية العطاء مع القوى الاقتصادية بشامل بنودها. ولن تَسْطع قوانا الناعمة وتؤثر التأثير المطلوب، إلا بنوعية المواطن المتعلم تعليماً عصرياً. فالمواطن هو الأساس، وهو القادر على استغلال عظمة تاريخنا واستنطاق إيجابياته، وهو القادر على الاستفادة القصوى من ثرواتنا الطبيعية. ولن يقوى المواطن إلا بالحرية الحقيقية وتشجيع الإبداع بكل تنويعاته، وهكذا تنطلق القوى الناعمة الشاملة بالفنون وبالعلوم المتخصصة وبآليات قوى المجتمع من إعلام حر وجامعات ونقابات وغيرها. مصر ليست فقيرة، بل هى غنية بمواردها وأهم مواردها هو المواطن المتعلم الفنان.
المتحف الكبير
كنا فى أمس الحاجة لمتحفنا الرائع هذا. واهتمام الشعب بالمتحف يبين أن جوهرنا المصرى واعتزازنا بتاريخنا الخاص ما زال قوياً عفياً، وأن ما يعترينا بسبب السلفيات هى حالة مؤقتة. ولا ننسى شكر الفنان فاروق حسنى. وعن الابتعاد قليلاً عن الوسط الأدبى ومشاركتى فى الفعاليات الثقافية فأن نتاج أقصى الجنوب وأقصى الشمال؛ النوبة وإسكندرية، ما أصابنى بالارتباك، وأنا طبعى مرتبك أصلاً.