فيلم رعب واقعي
مصطلح «الصورة الذهنية» يتكون من كلمتين هما الصورة والذهنية، فالصورة تعنى ظاهر الشىء وحقيقته وشكله الذى يتميز به، أما كلمة الذهنية فهى تشير إلى الذهن، أى العقل والفهم، أى فهم الشىء وتصوره. ويعادل مصطلح الصورة الذهنية فى اللغة الإنجليزية كلمة Image، وإجمالاً الصورة الذهنية هى مجموعة الانطباعات التى تتكون فى الأذهان عن قيم معينة سياسية أو شخصية، يساعد على تكوينها ما تبثه وسائل الاتصال الجماهيرية.. فكيف يتصور الآن الإنسان المعاصر مكانه بين البشر؟
صورتى عن نفسى أننا شعوب متحضّرة تدعو إلى السلام وتنبذ العرف، وأننا فى مصر (التى يعتبرها البعض متخلفة عن أوروبا)، ضد الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال، نحارب رجل الدين إذا ما أفتى بأكل «لحم الأسير»، أو التحريض على تحقير المرأة والحط من شأنها ووضعها فى مكانة الكلب الذى يقطع الصلاة.. ولا زلت أؤمن بأن هذا الطريق الطبيعى للإنسان وليس تكرّماً أو تفضّلاً منه الدفاع عن «الإنسان»، أصدرنا عشرات القوانين لتنظيم المجتمع ومناهضة العنف ضد المرأة، وخاضت مصر الكثير من المعارك الدبلوماسية لوقف النزاعات المسلحة وحماية الأطفال والنساء والجرحى فى حروب دول الجوار.. ورغم ذلك ظلت صورتنا عن أنفسنا: أننا أقل احتراماً للإنسان وتفعيلاً لحقوقه الاجتماعية والثقافية وغيرها، حتى وجدنا أنفسنا أمام من ينتهك «الحق فى الحياة»! ويتسلى بقنص البشر خلال الحرب فى سراييفو، علماً بأن الأطفال فى هذه المباراة الهمجية الوحشية هم «الأقل سعراً»!
إنها فضيحة «سياحة قنص البشر» التى هزّت أوروبا وتورّط فيها مليونيرات كثر.. فبعد تفكّك يوغوسلافيا، أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها، مما أدى إلى صدام مسلح بين قوات الحكومة البوسنية من جهة، وجيش يوغوسلافيا الشعبى وقوات صرب البوسنة من جهة أخرى. فحاصرت القوات الصربية سراييفو فى أبريل 1992، واستمر الحصار لمدة 1425 يوماً. قتلت الحرب ما يقدّر بـ12٫000 شخص وجرح أكثر من 5٫000 شخص، ونزح ما يقرب من 334 ألفاً من سكان سراييفو، بما يمثل 64% من سكان المدينة قبل الحرب.
نصل إلى الجريمة الأبشع فى قلب هذا، وهى قضية ما بات يُعرف إعلامياً باسم «سفارى سراييفو» لصيد البشر الذى شكل صدمة للرأى العام الأوروبى والعالمى، ليس فقط لأنها تتعلق بجرائم حرب ارتُكبت بحق المدنيين خلال حصار سراييفو بين عامى 1992 و1996، بل لأنها ارتُكبت من قِبل «أثرياء أوروبيين وغربيين» دفعوا عشرات آلاف الدولارات لقاء «ممارسة هواية صيد البشر» عبر قنص وإطلاق النار على المدنيين البوسنيين من مواقع القناصة الصرب.
الأمر المثير الذى نشرت عنه صحف إيطالية، لم يكن جديداً، إذ جاء للمرة الأولى فى فيلم بعنوان «سفارى سراييفو» (Sarajevo Safari)، وهو فيلم وثائقى من إنتاج عام 2022، أخرجه المخرج السلوفينى ميران زوبانيتش (Miran Zupanic).
ويروى الفيلم اعترافات صادمة عن جنود صرب يزعمون أن مجموعة من الأجانب من الدول الغربية قد اشترت موقعاً للقنّاصين لدى القوات الصربية البوسنية لإطلاق النار على المدنيين، بما فى ذلك الأطفال، مقابل أموال باهظة.. ثم بدأ الكاتب الإيطالى هو اتسيو غافاتسينى (Ezio Gavazzeni)، وهو صحفى استقصائى من مدينة ميلانو، فى جمع شهادات ووثائق تتعلق بما سماه «سياحة القنص فى سراييفو» وقدّمها إلى النيابة الإيطالية، لتعود القضية التى ترجع إلى ثلاثة عقود، إلى الواجهة.
ظلت القصة طى الكتمان، ولم يكن يعلم كثر أن من يقاتلون إلى جانب الصرب ليسوا جيش صرب البوسنة وحسب، بل أيضاً مجموعة صغيرة سرية، عبارة عن أجانب أثرياء دفعوا مبالغ طائلة مقابل فرصة إطلاق النار على سكان المدينة المحاصرة.. ولم يتخيل إنسان أن ما نعتبره «أفلام رعب» ظننا أنها مجرد «خيال علمى» عن أثرياء يأسرون مجموعة عشوائية ويمارسون عليهم التعذيب حتى الموت وهم مستمتعون بالفرجة أمام الشاشات المغلقة، أو يعقدون مراهنات على الأسرع بينهم فى إطلاق الرصاص على «إنسان»، والتى كنت أعتبرها مجرد «خيال مريض» تنفذه مؤسسات عالمية لإرضاء أذواق الساديين (المرضى بتعذيب الآخر).. وأن أفلام الفامبير والمذؤوبين ما هى إلا جذب لنفس الشريحة المقزّزة، فما بالك بأثرياء من أوروبا دفعوا لأفراد من الجيش الصربى البوسنى مقابل فرصة الاستمتاع بإطلاق النار على سكان المدينة المحاصرة!
ربما كان القناصة الأثرياء الذين جاءوا لممارسة متعة بالنسبة إليهم «أكثر رعباً من المقاتلين الحربيين»، وفق ما كتبته «الجارديان البريطانية»، إذ كانوا يختارون ضحاياهم عشوائياً من المارة فى الشوارع، بمن فى ذلك الأطفال، وكأن الأمر رحلة سفارى.
القضاء الإيطالى فتح تحقيقاً فى القضية بعد بلاغ تقدم به الكاتب الإيطالى، إيزيو جافازينى، وبدأت التحقيقات.. لكن مجرد الكشف عن هذه الجريمة المروّعة المرتبطة بتحقيق رغبات مريضة وخلل فى منظومة القيم الغربية حين يقوم أفراد ينتمون إلى الطبقات الثرية والسياسية وحتى المثقفة الأوروبية بقتل أناس أبرياء لمجرد الرغبة فى الترفيه عن أنفسهم، بما يرقى إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
يُذكر أن المحكمة الدولية كانت قد أيدت الحكم بالسجن مدى الحياة على الزعيم الصربى البوسنى «ردوفان كرازديتش»، بتهمة ارتكاب إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب فى تسعينات القرن الماضى.
الآن قف أمام مرآة ذاتك واسأل: أين تقف من احترام العالم المتحضّر للإنسان؟، كيف تتعامل مع السينما الأجنبية التى تروج للعنف؟، كيف تحارب العنف الذى تحول إلى «قتل مدفوع» من أجل المتعة؟