السيسي يضع حجر الأساس لمرحلة نزاهة جديدة

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

جاءت الانتخابات البرلمانية الأخيرة لتفتح فصلاً جديداً فى مسار الحياة السياسية المصرية، بعدما أظهرت الأحداث حجم المسئولية التى تتحملها الدولة لضمان نزاهة الاقتراع وشفافية الفرز، ومع بداية انتشار شكاوى حول بعض المخالفات، جاء تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى سريعاً وواضحاً، ليقدم نموذجاً مختلفاً فى إدارة العملية السياسية، قائماً على الحسم والمتابعة الدقيقة والحرص الدائم على أن يبقى المواطن فى قلب القرار. لم يكن هذا التحرك مجرد رد فعل عابر، بل خطوة أثبتت أن القيادة تراقب المشهد عن قرب، وتسعى إلى حماية إرادة الناخب كجزء أساسى من استقرار الدولة.

وقد شكل تصريح الرئيس الذى أعلن فيه عدم رضاه عن الأخطاء التى شابت العملية الانتخابية نقطة تحول مهمة، إذ وضع الأمور فى إطار واضح: أن الدولة لن تسمح بوجود أى تجاوز يؤثر على نزاهة الانتخابات، وأن صوت المواطن يجب أن يحترم دون أى تهاون، هذا الموقف غير المسبوق عكس رؤية جديدة للحياة الديمقراطية فى مصر، رؤية تبنى برلماناً حقيقياً يعكس إرادة المصريين لا إرادة الكيانات أو المصالح الضيقة. وبهذا، تحولت تصريحات الرئيس من مجرد موقف سياسى إلى رسالة طمأنة للمواطن بأن القيادة تقف إلى جانبه، وتعمل على ضمان أن يكون له تمثيل برلمانى صادق يعبر عنه بالفعل. ومن هذا المنطلق، شدد الرئيس على ضرورة التزام الهيئة الوطنية للانتخابات بالشفافية الكاملة فى فحص الطعون والمخالفات، والتعامل مع كل واقعة بدرجة عالية من الموضوعية والانضباط. وقد تزامن هذا التوجه مع ما أعلنته الهيئة من رصد مخالفات فى 19 دائرة انتخابية داخل 7 محافظات، شملت خروقات دعائية، وممارسات غير قانونية أمام اللجان، ورفضاً لتسليم محاضر الفرز لبعض المرشحين، بالإضافة إلى تفاوتات غير مبررة فى عدد الأصوات بين اللجان الفرعية والعامة. هذه المخالفات التى وصفتها الهيئة بأنها «عيوب جوهرية» تمسّ نزاهة الاقتراع، أكدت صحة رؤية الرئيس وضرورة تصحيح المسار.

وكانت من أبرز الوقائع التى أثارت الجدل واقعة فرز الأصوات قبل الموعد الرسمى فى إحدى لجان الإسكندرية، الأمر الذى دفع اللجنة العامة إلى إلغاء نتيجة اللجنة بالكامل، هذا القرار يعكس رغبة الدولة فى الحفاظ على هيبة العملية الانتخابية، ويؤكد أن الأخطاء لن تمر دون محاسبة أو مراجعة شاملة.

ومع انتشار النقاشات والانتقادات حول سير الانتخابات، جاء تدخل الرئيس ليعيد التوازن للمشهد ويؤكد أن القيادة لا تقبل بأى خلل قد يؤثر على صورة العملية السياسية داخلياً أو خارجياً، فعلى المستوى الداخلى، ساهم هذا التدخل فى تهدئة المخاوف وإعادة الثقة للمواطنين الذين تابعوا الأحداث بقلق، خصوصاً فى ظل الحديث عن إمكانية التأثير على النتائج فى بعض الدوائر، وعلى المستوى الخارجى، قدم هذا الموقف رسالة واضحة بأن مصر دولة مسئولة تتعامل مع الانتخابات بمنهج مؤسسى جاد، وبأنها حريصة على الحفاظ على صورتها أمام شركائها الدوليين.

وبالتزامن مع هذه التطورات، استمرت الأصوات المنتقدة فى طرح تساؤلات حول مدى تأثير السلطة التنفيذية على العملية الانتخابية، إلا أن الخطوة الرئاسية الحاسمة -التى دعت إلى مراجعة كل الطعون وإعادة تقييم الممارسات داخل اللجان- كانت كفيلة بتبديد كثير من هذه المخاوف، وإعادة التأكيد على الالتزام بالمعايير المتعارف عليها دولياً فى إدارة الانتخابات.

وبذلك نهاية، يمكن القول إن تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى لم يكن مجرد خطوة عابرة، بل كان الحدث الأبرز الذى أعاد ضبط الإيقاع السياسى، ورسخ مبدأ أن الدولة المصرية لا تتهاون فى حماية إرادة الناخبين، ولا تتردد فى محاسبة أى خطأ قد يؤثر على الثقة فى المؤسسات المنتخبة.

ففى الوقت الذى قد يؤدى فيه تجاهل المخالفات إلى اتساع الفجوة بين المواطن والعملية السياسية، جاءت توجيهات الرئيس لتعزز الإيمان بقدرة الدولة على تصحيح المسار حفاظاً على الاستقرار الداخلى، وترسيخها لصورة مصر كدولة تحترم إرادة شعبها وتسعى لبناء برلمان يعكس طموحات المصريين ويمثلهم تمثيلاً حقيقياً وشفافاً.