ضعفاء يلعبون

عاش مشركو مكة بنظرية «السيد والتابع»، إذ لم يتصوروا أن هناك نظرية أخرى يمكن أن تحكم العلاقة بين البشر غيرها. فداخل مكة عاش السادة الكبار (التجار والأثرياء) مثل عتبة بن ربيعة، وأبوسفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة وغيرهم، وتعودوا على استعباد غيرهم، بعض هؤلاء كانوا عبيداً صرحاء، مثل بلال بن رباح، وبعضهم كان من الموالى، وهم مجموعة من الضعفاء الذين وفدوا إلى مكة من خارجها، وتبناهم سادة معينون، وجعلوهم حلفاء لهم، وقد تمثل جوهر غضب كبار مشركى مكة على النبى صلى الله عليه وسلم فى مبدأ المساواة الذى جاء به الإسلام، حين ساوى بين السيد والعبد، والسيد ومواليه، والكبير والصغير، والغنى والفقير، والرجل والمرأة، ورفض أى شكل من أشكال التمييز بين البشر، إلا بتقوى الله.

تساءل المشركون كيف يختار الله تعالى نبيه من البشر العاديين وليس من السادة الكبار الذين يسيطرون على مكة أو الطائف؟.. قال عز وجل: «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ». تعجب المشركون وقالوا، كما يشير «الطبرى» فى تفسيره: هلّا نزل القرآن على الوليد بن المغيرة المخزومى من أهل مكة، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفى من أهل الطائف؟. هنا جاء الرد السماوى على مسألة التمييز بين البشر، ونبَّه الله تعالى إلى أنه مقسِّم الأرزاق، وأن تفاوت البشر فى الطبقات أو الدرجات لا يجب أن يكون سبباً لتعالى بعضهم على بعض أو لسحق بعضهم البعض، بل يتوجب أن يكون سبباً للتكامل والتعاون والعطاء المتبادل فيما بينهم، قال عز وجل: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ».

إن السر الذى يدفع الناس إلى السقوط فى فخ نظرية: «السيد/ التابع» هو الضعف، ولا شىء غير الضعف.. قال تعالى: «وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفاً»، إنه الضعف الذى يعترى المخلوق الذى كان فى لحظة لا شىء ثم أصبح شيئاً: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً». كل الآفات أو المطبات التى يسقط فيها الفرد مردها إلى الضعف. فالظلم ضعف، واليأس ضعف، والكفر ضعف، وجحود النعمة ضعف، والإعراض عن الحق ضعف، والبخل ضعف، والهلع ضعف، والجدل ضعف، والعَجَلة ضعف.

كل ما تجده فى آيات القرآن الكريم من أوصاف للإنسان أساسه الضعف البشرى، ويعكس كل وصف من هذه الأوصاف سبباً من الأسباب التى تسوق البشر إلى نظرية «السيد/ التابع» والتى يتحكم فيها القوى فى الضعيف، أو الظالم فى المظلوم، أو طويل الأمل فى اليائس، أو الكافر فى المؤمن، أو المتأنى فى العجول، أو الكذوب فى الصادق، أو ثابت الأعصاب فى الهلوع، وهكذا.

والسيد حين يفعل ما يفعل بالتابع هو ضعيف، مهما تظاهر بعكس ذلك، وبدا منه ما يدل على القوة والسيطرة، والتابع حين ينصاع ويطيع ويمتثل هو ضعيف، وإن كتم فى داخله عكس ذلك، وتصور أنه ينتظر لحظة انتفاض أو تمرد على ظالمه.
الكل ضعفاء يلعبون مع بعضهم البعض.