استقرار المصريين واستمرارهم (1)

عاش المصريون قروناً طويلة وهم يميلون فى الغالب الأعم إلى الثبات والاستقرار، وليس بينهم اختلاف فى هذا وإن اختلفت المهن، وتفاوتت الطبقات، وتباينت الأفهام والثقافات، وبعدت المسافات. ولهذا ينظر أهل مصر إلى الراغب فى القفز أو التغيير السريع أو التنقل فى المكان أو التمرد على السائد نظرة شك وريبة أحياناً، وقد ينعتونه بصفات سلبية.

وهناك أسباب ظاهرة لهذا الميل، كالتآلف مع الأرض زمناً طويلاً، والخوف من المغامرة اتقاء للاستهجان الاجتماعى أو بطش السلطة، وما يهديه الدين، على تعاقب العقائد على أرض النيل إلى المصريين من رضا بالمقسوم أو القضاء والقدر، وتوجد أيضاً التجربة التاريخية الطويلة التى سكنت الجينات الاجتماعية، وجعلت أهل مصر يدركون أن بلدهم منساب فى تاريخ الإنسانية، ويجب أن يبقى على حاله هذه.

وتعكس الأمثال المصرية المتداولة، والحِكم الراسخة، والحكايات التى تتناقلها الأجيال، وتحافظ عليها، جانباً كبيراً من الميل إلى الثبات، وتقديمه فى الآراء والمواقف والأحوال على التغير، الذى يخشى أغلب الناس من أن يأتى بما لا يقدرون عواقبه، ولا يعرفون مآلاته.

فالفلاح قابض على أرضه، يراها جزءاً أصيلاً من كينونته وهويته، بل ترتبط لديه بالعرض والشرف، ينظر إلى نفسه فى مرآتها الثابتة، ولا يعرف معها تغيراً إلا ذلك الذى يصاحب مواسم الزراعة، حيث الغرس والحصاد، وهى مواقيت محددة ومعروفة، وهى كذلك أصناف من الزرع متوارثة عبر زمن طويل، يجد المزارع صعوبة نفسية، على الأقل، فى الانقلاب عليها، وتبديلها إلى زراعة أخرى، وإن فعل فإن هذا يأتى بعد تردد طويل، وإن أتى لا يكون مألوفاً فى البداية، حتى تجرى به السنين، فيصير عادة جديدة.

وعلى مدار التاريخ نظر الفلاحون إلى المتمرد من بينهم نظرة سلبية، فهو «لا يريد أن يعيش عيشة أهله»، أو هو فلاتى، وفق المصطلح القديم الذى كان يطلق على أولئك الذين يفرون من الوادى الخصيب إلى الجبال، ممن اختلفوا مع أهل الحكم أو ارتكبوا جرائم، أو «مطارد» وفق الاصطلاح الذى أطلق على هؤلاء فى القرن العشرين.

والموظف يمسك وظيفته بكلتا يديه وأسنانه، ويراها شيئاً ثميناً لا يجب التفريط فيه، عملاً بالمثل القائل: «إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه». ويبدى الموظف فى بلادنا استعداداً قوياً منذ لحظة تسلمه عمله على البقاء فيه حتى يحال إلى التقاعد، وإن تحرك فى وظيفته فهو لا يعدو أن يكون الترقى فيها حسب الدرجات الوظيفية التى تنص عليها القوانين واللوائح.

وقد يبدأ المصرى موظفاً فى مكتب ما عبارة عن حجرة ليست بالواسعة، فلا تمتد عيناه خارجها، وتكون غايته أحياناً أن يصعد فى السلم الوظيفى ليصبح رئيساً للجالسين فيها. وبين هؤلاء بالطبع قلة طموحة تستعمل مختلف الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، الأخلاقية وغير ذلك، للخروج من حجرة الوظيفة إلى غيرها أعلى مرتبة ومكانة.

وفى الوقت الذى نجد الفرد فى المجتمعات الغربية مثلاً، يمكنه أن يغير مهنته أو وظيفته عدة مرات طوال عمره، ابتغاء ترقٍ فى المعاش أو هروباً من الملل أو الاغتراب الوظيفى، نجد نظيره فى مجتمعنا لا يثق كثيراً فى الشخص الذى ينتقل من مهنة إلى أخرى، ويرى أن هذا تعبير عن الإخفاق فى العمل، أو الاضطراب النفسى، أو فقدان الصبر.