استقرار المصريين واستمرارهم (2)

يُفضل الساكن فى مكان البقاء فيه منذ أن يُكوِّن أسرته الصغيرة وحتى مماته. لهذا لا يُفضل المصرى من قاطنى المدن شقق الإيجار الجديد التى تُدخله فى مساومة سنوية مع المالك حول الإيجار، وتجعله طوال الوقت قلقاً على الاستقرار والاستمرار. وفى هذا المسار، تُفضل الأسر الخاطب الذى يتقدم للزواج من بناتها ويكون لديه شقة تمليك أو إيجار قديم على ذلك الذى يكون سكنه وفق قانون الإيجار الجديد.

نعم انتقلت بعض الأسر إلى المدن الجديدة والأحياء المسوَّرة «الكومباوند»، ابتغاء سعة أو هدوء أو رفاه، لكن نسبة هؤلاء إلى الكتلة الأساسية للسكان تبدو ضئيلة. وبعض هؤلاء المنتقلين لا يزالون يحتفظون بشقههم القديمة، سواء كانوا يملكونها أو هم مؤجروها وفق قانون الإيجار القديم.

وداخل الشقة الواحدة نجد قلة من المصريين التى تميل إلى تغيير وضع الأثاث فيها، بما يساعد على كسر الملل منها، حين يتبدل مرآها بين حين وآخر أمام عيون ساكنيها. فلا تتحرك قطع الأثاث إلا وقتاً قصيراً ساعة التنظيف، ووقتاً أطول أيام طلاء الحوائط أو إدخال تغيير ضرورى على أوضاع الغرف، ثم لا يلبث كل شىء أن يعود إلى ما كان عليه.

وتحت ضغط الحاجة إلى التقاط الرزق نزح البعض من الأرياف إلى المدن، لكن كثيراً من هؤلاء، لا سيما فى السنين الأولى لانتقالهم، يشعرون باغتراب شديد، عكسته شفاهة الحكايات والقصص والروايات والأشعار، وأحلام اليقظة، وموجات الحنين الجارف إلى الأيام التى خلت، وانعكس عملياً فى استمرار ارتباط كثيرين من النازحين بمساقط رؤوسهم، يعودون إليها فى الراحات الأسبوعية، والإجازات السنوية، وفى الأعياد، وكلما سنحت فرصة لهذا.

وتحت ضغط حاجة أشد اضطر المصريون إلى الهجرة إلى الخارج، لكن الأغلبية الكاسحة من المهاجرين، وحتى الآن، تظل نفوسهم معلقة بوطنهم، حتى لو حصلوا على جنسيات بلاد أخرى، يعودون إليه فى زيارات متتابعة، ويشترون على أرضه مقابر ليُدفنوا فيها إن انقضى أجلهم.

وهذا التغيير الذى يُضطر إليه النازح من الريف إلى المدينة، والمهاجر من مصر إلى خارجها، لا يزيد أحياناً عن أن يكون تطبيقاً للتصور الشعبى عن «تغيير العتبة»، حيث يُنصح الرجل الذى ضاق رزقه، وزاد نكده، وتأخر ولده، أن يتزوج بامرأة أخرى، فلعل السعد يأتى مع الزوجة الجديدة.

وبالطبع فإن جزءاً من هذا الميل النفسى والاجتماعى لا يخص المصريين وحدهم، إذ نراه عند آخرين فى أمم أخرى، لكننى أعتقد أن نسبة وجوده عند المصرى أعلى من غيره، للأسباب التى سبق ذكرها، وأسباب إضافية يخلقها التغير الذى يحدث فى السياقات المحلية والعالمية.

هذه الثقافة الاجتماعية يكون لها انعكاسها على الحياة السياسية، فتجد الحركات المطالبة بالتغيير نفسها فى مأزق دائم، لأن عليها أن تواجه تلك الرواسب النفسية والثقافية التى تجعل الأغلبية الكاسحة من المصريين تميل إلى الثبات، طالما وجدوا ما يُبقيهم على قيد الحياة، حتى لو كانت حياة صعبة قاسية أو بائسة.

فالمطالبون بالتغيير، لا سيما من الصفوة الثقافية والسياسية، يجدون أمامهم دوماً حائط صد يصنعه أولئك الذين يرفعون دوماً شعار «من نعرفه خير ممن لا نعرفه»، حتى لو كان من يعرفونه ليس الأفضل بينهم، بل قد يكون ذلك الذى يسرق أقواتهم، ويجلد ظهورهم.

ولعل الميالين إلى الثبات هم من تخاطبهم السلطة السياسية دوماً بحديثها عن «الاستمرار والاستقرار»، حتى لو كان الاستمرار يمضى فى طريق خاطئة، وكان الاستقرار يعنى الجمود والتكلس. ولعل هؤلاء هم من أطلق عليهم المنخرطون فى ثورة 25 يناير 2011 اسم «حزب الكنبة»، الذى خاف من الثورة أو رفضها أو لم يستعد نفسياً لتغير الأوضاع، فقعد مكانه، منادياً بالعودة مرة أخرى إلى الوراء.

وهؤلاء هم من مثلوا جزءاً أصيلاً من خطط القوى المضادة للثورة، التى انتهزت فرصة أن هؤلاء يشكلون الأغلبية العددية أو الكمية، فتحدَّثت باسمهم، على أنهم يمثلون «الإرادة الشعبية»، والسلطة فى هذا لم تكن تمارس سوى نوع من المخاتلة أو الخداع، لأن البقاء فى المكان، أو العودة إلى الوراء، ليست فى صالح هذه الأغلبية الصامتة أو المترددة.

ويدرك الراغبون فى التغيير هذه المعادلة، لهذا انتقلوا من الرغبة فى تثوير كل الناس إلى الاكتفاء ببناء ما تسمى بـ«الكتلة الحرجة»، وهى تمثل قطاعاً محدداً من الشعب، امتلك الوعى، وامتلأ بالرغبة فى التغيير، وحاز الإرادة فى سبيل العمل من أجل ذلك.