العَجَلة.. والطمع
بطبيعته يبدو الإنسان عجولاً، كثيرون يستعجلون الأشياء، والعاجل بالنسبة لهم أخطر وأهم من الآجل، وأكثر ما يخيف هؤلاء هو العقاب الفورى، أما العقاب المؤجل فلا يأبهون به، تصوير رائع لحالة العَجَلة التى تُميّز بنى آدم تجده فى الآية الكريمة التى تقول: «خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ». فالإنسان مجبول على استعجال الأشياء وكراهية الانتظار. وتدعم فكرة العجلة نظرية «السيد/ التابع» فى علاقة البشر ببعضهم البعض. فالسيد يتعجل تحقيق ما يريد، والتابع يتعجل الخلاص.
قد تجد العجلة معناها فى فكرة «الطمع» الذى يحرك الإنسان فى الكثير من الأحوال، فالطمع يعنى استعجال المكاسب والمغانم، وغالباً ما يُسقط هذا الأمر صاحبه فى دائرة العبودية للأشياء التى يطمع فيها، أو للبشر الذين يملكون المنح والمنع، هذا النمط من البشر الطماعين هم فى الأغلب الذين يفضلون دور التابع، ولا يجدون فيه غضاضة مادام سيحقق لهم ما يريدون.
والطمع واستعجال الخير ليس الحالة الوحيدة التى تدفع بصاحبها إلى العجلة، بل هناك أحوال أخرى عديدة لها نفس التأثير، مثل استعجال الشر أو العقاب أو المردود السيئ. يحدث ذلك حين يُحذّر أحد الأفراد من حوله من نتائج ومغبات أفعال معينة فتجدهم يسخرون منه ويكررون له سؤال: «لماذا لم تحدث النتائج السلبية والمغبات السيئة التى وعدت بها؟ ولا يفهمون أن كل شىء فى هذه الحياة بمقادير، وأن الله تعالى قد يمهل الظالم، لكنه لا يهمله، وإذا أخذه لا يفلته.. قال تعالى: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ».
استعجال الإنسان الشر مثلما يستعجل الخير هو السسبب الأساسى وراء وصفه بـ«العجول».. يقول تعالى: «وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولاً». فالإنسان قد تأتى عليه لحظة يدعو فيها على نفسه وعلى عياله، بنفس الحرارة والدأب الذى يدعو فيه بأن يعطيه الله من أطايب الدنيا، والسبب فى ذلك هلعه وتعجله، فهلع الإنسان من المواقف التى تضغط عليه تدفعه إلى الدعاء بالشر، وتعجله المغانم والمكاسب يدفعه إلى الدعاء بالخير.
الله تعالى رحيم بعباده، فالإنسان يدعو بالشر فيحفظه الله تعالى رأفة منه وإشفاقاً على المخلوق الضعيف، ويدعو بالخير فيعطيه الله له ولكن فى ميعاد، فالخير الذى يأتى فى غير ميعاده قد يضر بصاحبه، تماماً مثل الشر الذى يستعجله الإنسان، فى الحالتين قد تكون النتيجة هى هلاك الفرد.. قال تعالى: «وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ».
يقول «الطبرى» فى تفسيره للآية الكريمة: «قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر معناه: ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا؛ لأنهم خلقوا فى الدنيا خلقاً ضعيفاً. وقيل: المعنى لو فعل الله مع الناس فى إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم فى إجابته إلى الخير لأهلكهم؛ وهو معنى لقضى إليهم أجلهم».
العجلة والاستعجال يجعلان الفرد عبداً لما يريد أو لمن يملك ما يريد.