محمد سلامة يكتب: الكوبري العجوز
محمد سلامة يكتب: الكوبري العجوز
أخذتني نوبة عالية من الضحك بدت ردة فعلها على وجوه بعض ركاب السيارات أعلى كوبرى «أكتوبر»، الذى تحول إلى «جراج» كبير بطول وعرض الكوبرى «العجوز» فى ظهيرة ذلك اليوم... على مدد الشوف طوابير لا تأتي العين المجردة نهايتها... تحول شريان وسط القاهرة الأهم... ربما الوحيد إلى موقف ينقصه فقط «سايس» يخرج عليك مطالباً بمقابل الانتظار... بعضهم ابتسم على مضض... آخرون أخرجوا وجوههم من نافذة السيارة بحثاً عن مصدر تلك «القهقات» العالية... البعض بدت على وجهه الدهشة ظننت مع نظراتهم أنني مسني شيء من الجنون...
كلمات المطرب محمد عبدالوهاب تأتيني من راديو سيارة مجاورة تكاد تحتضن سيارتي... «اجري اجري اجري... وديني قوام وصلني... وصلني قوام وصلني»... نظرت إلى ساعة السيارة... هاتف داخلي يؤنبني... يردد على مسامعي «ألم أقل لك إنك كالعادة لن تلحق بموعدك»... أكمل الصوت وهو يكاد يتجسد أمامي «حاول بقى تشوف لك أي مخرج وعد أدراجك للبيت يكفينا ما ضاع من وقت... حرقة دم فى يوم شديد الحرارة لم يسلم تكييف السيارة من نيرانه الموقدة حتى استسلم وبات هواؤه ساخناً»... في صمت رددت «وأنا مالي»...
لم أتخيل مشواراً يستغرق أقل من ساعة يصل بنا الأمر إلى قرابة الساعتين ولا نزال أعلى الكوبرى الذى حفر الزمان أخاديد... حفراً على جسده «الأسفلتي»... بات يصرخ تحت وقع ملايين السيارات التى مرت يوماً من هنا... أسوار أصابها طول انتظار لما لا يأتي من إصلاح... تغيير لأجزاء تخلت عن أماكنها تحت ضغط حادث هنا... آخر هناك... فواصل تمردت على أوضاعها... بدت أحشاؤها تصطاد إطارات السيارات في مقتل...
عدت بالذاكرة «فلاش باك» أتذكر كم مر على هذا الكوبرى العجوز من زمن... لمن لا يعرف بدايات كوبرى أكتوبر أو كوبرى السادات... في روايات أخرى كوبرى رمسيس تعود إلى مايو 1969 قبل أن يتحول إلى كوبرى أكتوبر عقب نصر أكتوبر 1973...
الأمر من منظور اقتصادي خسائر بالجملة يتكبدها الاقتصاد نتيجة ساعات التأخير التي باتت قاسماً مشتركاً لكل من ذهبت به أقدامه أقصد سيارته عابراً الكوبرى العجوز... بعضهم يتساءل: لعل أكثر إنجازاتنا اليوم شبكة الطرق المترامية الأطراف... الأطول... الأفضل فى تاريخ مصر التي نقلت مصر 100 مركز على مؤشر جودة الطرق إلى المركز 18 حالياً وهنالك المزيد لا يزال على خارطة الطرق فى مصر المحروسة...
تظل المشكلة ليست عدم رغبة الحكومة في إيجاد حل لمشاكل الكوبرى العجوز لكنها «صعوبة» أو ربما «استحالة» توسعة الكوبرى «العتيق» لأسباب تتعلق بعدم توافر فراغات على جانبيه تسمح بالتوسع أو هي صعوبة العمل على إزالتها... خاصة أنها تتوسط المدينة المزدحمة دوماً وأبداً...
البعض يسوق حلاً آخر «سحرياً» لتوسعة الكوبرى بعيداً عن إشكاليات إزالة بعض المباني أو «وصل» بعض أجزاء الكوبرى بمساحات إضافية مثلما حدث بالمنطقة أعلى شارع الجلاء وسط القاهرة... الأمر لا يخرج عن كوبرى آخر أعلى الكوبرى الحالي مع تخصيص المسار السفلي ذهاباً والعلوي منه الذي تتم إضافته للحركة المعاكسة...
يقولون وبعض القول يحتمل الصواب أو الخطأ إنه يمكننا إقامة أعمدة خرسانية بطول الكوبرى الحالي يتم «تحميل» جسم الكوبرى الجديد فوقها دون التحميل على أعمدة الكوبرى الحالي، الذي بالتأكيد لا يحتمل مزيداً من الثقل بحكم تقادمه أو شيخوخته التي تجاوزت 46 عاماً شهدت مرور ملايين المركبات من كل الأنواع...
ذلك الحل الذي يرونه «سحرياً» كفيل بتوفير وقت... وقود... استهلاك قطع غيار... صيانة للسيارات... من قبل حماية البيئة من مزيد من التلوث تعانيه وسط القاهرة المكتظة عن آخرها بكل ما نعرف وما لا نعرف من مركبات...
بعض التقديرات تشير إلى أن خسائر الازدحام بالعاصمة تصل إلى 7 مليارات دولار سنوياً نتيجة الوقت المهدر في الانتظار... امتداد زمن الرحلة التي كان من المفترض ألا تتجاوز دقائق أحياناً إلى ساعة وربما أكثر... إهدار وقود نتيجة ساعات الانتظار الطويلة لمئات الآلاف من المركبات... ارتفاع تكلفة النقل للسلع والبضائع نتيجة زيادة تكلفة النقل عبر وسط القاهرة المزدحم دوماً وأبداً...
الحل كما يراه البعض في كوبرى «معلق» أعلى كوبرى أكتوبر الحالي... الذي من شأنه كتابة كلمة النهاية لأزمة القاهرة المرورية العصية على الحل طالما ظل كوبرى أكتوبر يعاني ازدحاماً لم يُخطط لمواجهته عند تدشين الكوبرى العجوز قبل نصف قرن تقريباً.