44 عاما على رحيل محمود خليل الحصري.. مدرسة علمت العالم كيف يُقرأ القرآن

كتب: عبد العزيز سلامة

44 عاما على رحيل محمود خليل الحصري.. مدرسة علمت العالم كيف يُقرأ القرآن

44 عاما على رحيل محمود خليل الحصري.. مدرسة علمت العالم كيف يُقرأ القرآن

في مثل هذا اليوم من عام 1980، فقدت مصر والأمة الإسلامية قارئًا استثنائيًا لم يكن مجرد صاحب صوت خاشع، بل كان مشروعًا علميًا متكاملًا قدّم للقرآن ما لم يقدمه غيره، وشهدت حياته رحلة ممتدة من العطاء امتدت لأكثر من أربعة عقود، إذ تحل اليوم ذكرى وفاة الشيخ محمود خليل الحصري، واحد من أهم وأعظم المقرئين في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، وصاحب المدرسة التي أسست لعلم التلاوة الصحيح وأرست قواعد الأداء المتقن، حتى أصبح اسمه مرادفًا لـ«القراءة المَحْقَّقة» التي لا يشوبها خطأ ولا تكلّف.

من شبرا النملة تبدأ الحكاية

وُلد الشيخ محمود خليل الحصري في 17 سبتمبر 1917 بقرية شبرا النملة التابعة لطنطا بمحافظة الغربية. منذ طفولته ظهرت عليه ملامح النبوغ، فألحقه والده بكتاب القرية في الرابعة، ليتم حفظ القرآن كاملًا وهو في الثامنة من عمره، في إنجاز نادر في ذلك الوقت.

انتقل بعدها لمعهد طنطا الديني ليتلقى علوم التجويد والقراءات، قبل أن يتخصص في القراءات العشر ويحصل على إجازاتها من كبار علماء عصره، وهو ما شكّل الأساس لمدرسته التي امتازت بالانضباط والالتزام الصارم بقواعد التجويد.

انطلاقة إذاعية صنعت التاريخ

في عام 1944 تقدم لاختبار الإذاعة المصرية، ونجح باقتدار، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته ستجعله واحدًا من أهم الأصوات التي عرفتها الإذاعة، وكان الشيخ الحصري أول من يسجّل المصحف المرتل كاملًا للإذاعة، وهو الحدث الذي أعاد تشكيل العلاقة بين المستمعين والقرآن، حيث أصبحت تسجيلاته مرجعًا عالميًا في التلاوة الصحيحة.

لم يتوقف عطاؤه عند رواية حفص، بل سجّل المصحف لاحقًا بروايات: ورش – قالون – الدوري – السوسي، ليصبح أول قارئ يجمع هذا الكم من الروايات بصوته.

شيخ المقارئ.. ومهندس ضبط المصحف الشريف

شغل الشيخ الحصري العديد من المناصب المهمة، أبرزها:
شيخ عموم المقارئ المصرية.

رئيس لجنة المصحف الشريف بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

عضو لجان مراجعة المصحف في مصر والعالم العربي.

كان دوره محوريًا في اعتماد قواعد كتابة المصحف وضبطه وتنقيحه في عدد من الطبعات العالمية، ولا تزال لمساته العلمية حاضرة في كثير من المصاحف المعاصرة.

رحلاته من طنطا إلى الأمم المتحدة

لم يكن صوت الحصري محليًا فقط، بل كان سفيرًا للقرآن في أنحاء العالم، فقد زار عشرات الدول في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وكان أول من يرفع الأذان في مقر الأمم المتحدة بنيويورك عام 1967، وتلا القرآن في الكونغرس الأمريكي في حدث تاريخي لا يُنسى.

مدرسة لا تتكرر

تميز الشيخ الحصري بأسلوب القراءة المحققة القائمة على التمهل ووضوح المخارج، ما جعله النموذج الأمثل للمتعلمين والدارسين، وأساسًا تعتمد عليه المؤسسات الدينية والأزهر في تعليم التجويد.

كان يقول دائمًا: «إن القرآن يجب أن يُقرأ كما أُنزل، بلا زيادة ولا زخرفة ولا تكلف»، وهذا ما جعل صوته مرجعًا للدقة، ومصحفه من أكثر المصاحف تداولًا في العالم.

الوفاة ورحيل مدرسة كاملة

في 24 نوفمبر 1980، رحل الشيخ محمود خليل الحصري عن عمر يناهز 63 عامًا، بعد حياة مليئة بالعطاء العلمي والروحاني، وشيّعت جنازته من مسجد سيدنا الحسين في القاهرة في مشهد مهيب، ونعاه العلماء والمؤسسات الدينية حول العالم.

ورغم مرور السنوات، ما زالت تسجيلاته تُدرَّس في المعاهد وتُسمَع في البيوت والمساجد، وظلت مدرسته الصوتية علامة مضيئة في سماء دولة التلاوة.

اليوم وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، يبقى الشيخ محمود خليل الحصري أيقونة مدرسة التلاوة الصحيحة، ورمزًا للانضباط والورع والصوت الخاشع الذي حمل القرآن كما نزل، فأثّر في أجيال من القراء والمتعلمين.


مواضيع متعلقة