مع كل حادث كبير يرتبك المجتمع وتتسع دائرة الغضب الشعبى، وعند كل أزمة تستشعر أن الجميع يتخبط.. تتكاثر الاتهامات، وتتسع دائرة المواجهات، حتى بات الأمر يصعب تجاوزه بدفن الرؤوس فى الرمال والاستسلام لضباب التطمينات والمسكنات، الذى ينقشع مع أول حادث مفاجئ أو أزمة جديدة.
فى كل مجتمعات العالم هناك تحديات.. كوارث وهناك أزمات.. وصعوبات، وفى المقابل هناك ثقافة لمواجهة الأزمات والكوارث، ثقافة جمعية حقيقية وليست مبالغة، تؤهل بها الشعوب منذ الصغر، حيث تؤسس لذلك عبر برامج تعليمية متعددة توزع على سنوات الدراسة المختلفة، تجعلهم جديرين بمواجهة الزلازل والبراكين.. والفيضانات، وغيرها من الكوارث الطبيعية، وتنظم حياتهم فى الحروب، وتكفل لهم الأمان والسلامة. ولعل أقرب مثال حاضر على ذلك، هو ما قام به الشعب الإسرائيلى (سارقى أرض فلسطين)، خلال «حرب الـ12 يوما ضد إيران»، حيث أمطرتهم طهران بالصواريخ المختلفة والمسيرات، ورغم كثافة القصف وشراسة النيران، إلا أن الخسائر البشرية كانت محدودة بين الإسرائيليين بفعل تأصل ثقافة الأزمات لدى المجتمع الصهيونى، والتى فرضت التزاماً صارماً من الجميع بالتوجه إلى الملاجئ فور سماع صافرات الإنذار، وعندما حظرت الحكومة الإسرائيلية نشر أى معلومة عن الخسائر جراء القصف الإيرانى، التزم الجميع ولم يجرؤ إسرائيلى واحد على النشر، ولم تثر أى ضجة أو تذمر ضد «حظر النشر» باعتباره قيداً على الحريات، لأن الجميع يعلم حكمة ما يحدث من قرارات استثنائية والتى تهدف إلى حماية أرواحهم.
وبعيداً عن إسرائيل فالمقارنة ربما تنفر البعض، فقد لمست للمرة الأولى قيمة ثقافة الأزمات لدى الشعوب خلال زيارتى الأولى للعاصمة البريطانية لندن سنة 2007، وفى زيارات تالية ومتعددة توقفت قبل سنوات قليلة، أدركت من كل زياراتى أن الشعب الإنجليزى مدرب باحتراف لمواجهة شراسة الطقس فى عاصمة الضباب، فبات قادراً على الحياة باستمرار تحت وطأة الأزمات والحوادث، فالأمطار الغزيرة هناك غير أى مكان فى العالم، وهى جزء يومى من جدول أعمال كل مواطن.. والتعايش تحت رحمة الثلوج التى تغطى الشوارع وتصيب الحياة بالشلل لفترات طويلة، هو أمر شديد القسوة لكنه معتاد جداً لديهم.
طبعاً كنت الوحيد الذى يشعر بصعوبة الحياة، فى الوقت الذى كان كل من حولى من الإنجليز (والأجانب المقيمين) يستمتعون بكل لحظة، ويتفاعلون مع الخطر والمفاجآت بكل بساطة، لأنهم مدربون على ذلك أحسن تدريب، وهنا يظهر دور المدرسة التى تنمى هذه القدرات فى الأطفال منذ الصغر، وترسخ فيهم مهارات أساسية تجعلهم يحسنون التصرف بما يتناسب مع طبيعة كل موقف أو أزمة، أيضاً هناك عوامل أخرى تساعد المواطن الإنجليزى (أو أى مواطن فى العالم) على تنمية القدرات الذاتية، لاستيعاب مثل هذه الأمور، وهناك أيضاً دور مهم وفاعل للمؤسسات الدينية والاجتماعية، ومعها الإعلام والدراما والسينما والأدب، وأثرها كبير على نضج شخصية المواطن، وانتقاله من الحالة الطفولية إلى مرحلة اكتمال الوعى.
أعلم أن المقارنة تبدو مستفزة أحياناً، لصعوبة وضع المواطن المصرى فى مواجهة تبدو ظالمة مع نظيره الإنجليزى، لأن البعض على الفور سوف يستدعى أموراً أخرى فى سياق هذه المقارنة لا علاقة لها بموضوعنا، مثل دخل الفرد أو مقدار ما يتمتع به من حريات عامة أو جودة الخدمات الحكومية المقدمة لهذا الفرد، وهى أمور لا علاقة لها بقدرته على التعامل مع الأزمات، لأننا يمكن أن ننقل المقارنة إلى بكين أو موسكو أو حتى بيونج يانج، أو نتحدث عن أى مواطن خليجى حيث الثراء بلا حدود، ويمكن المقارنة بأى مواطن فى العالم، سنجد أن الأزمة عندنا تأخذ أبعاداً مختلفة ومخيفة، وهى أبعاد لا علاقة لها بعبقرية الشخصية المصرية التى تضرب فى أعماقها جذور الحضارة، وتشكل حجر زاوية فى ملامحها، ولا علاقة لها أيضاً بدخل الفرد فى مصر أو ما يتمتع به من حريات. إذن فما المسألة! ولماذا تأخذ عندنا الأزمة أبعاداً معقدة، وتتحول من أزمة عابرة إلى محنة ممتدة؟
وقبل الإجابة يجب التأكيد على أن العوامل التى أدت إلى غياب ثقافة مواجهة الأزمات فى مصر يعوضها براعة رد الفعل الفائقة لدى المصريين كأفراد، فيسجلون بطولات فى أغلب الأحيان، تفاجئ الجميع وتعوض جانباً كبيراً من نقص واضح فى قدراتنا وثقافتنا فى إدارة الأزمات والذى نرجعه إلى العوامل التالية:
■ ضعف التخطيط الاستباقى فى إدارة الكوارث والأزمات.
■ مركزية القرار فى النظام الإدارى للدولة والتى تبطئ من التفاعل مع الأزمة وتؤخر القرارات العاجلة.
■ تراجع الشفافية والمصداقية بسبب الضغوط المحيطة بالأزمة.
■ التغاضى أحياناً عن المساءلة والحساب مع المقصرين بعد انتهاء الأزمة.
■ إهمال البحث العلمى فى مجال إدارة الأزمات.
وللحديث بقية.