حكاية تريند اسمه «مصر»

لست من محبى الكلمة، التى نذهب إليها مضطرين، بحكم المهنة التى تفرضها علينا، لأننا حين نتحدث عن اتجاهات الرأى العام، فإننا بشكل أو بآخر نتطرق لـ«التريند»، ولأنه يومياً متغير يتم تحديثه ويرتبط شرطاً بالنشر عبر المواقع الإلكترونية والسوشيال ميديا، فإننا منه وإليه نعود، فماذا يقول التريند عن مصر؟

يقول إننا نسير.. ببطء حيناً وبوثب حيناً وبسرعة أحياناً كثيرة، وفى كل سير عثرة، وفى كل طريق حجر، وفى كل تجاوز للعثرة والحجر إنجاز لا نكاد نحتفل به، حتى يأتينا ما يبكينا، فننصرف عن الاحتفال، عن الفرحة بالجبر بعد الصبر، إلى تجفيف الدموع ومحاولة بائسة فاشلة لنسيان الألم.

يقول إننا نيتنا صافية ويد الله تسبق أيادينا، فمن قال إن إسرائيلياً فى موقع رئيس الموساد، عمل لسنوات فى وضع مخططات للنيل من مصر، لتحقيق التارجت الذى لم يتغير ولم يحِد عنه أبناء العم ولو للحظة واحدة، متربصين لنا وبنا، تخط يداه كتاباً تتناقله الصحف بالترجمة، يعترف فيه غير مرة بأن مخططاته كادت تنجح، بفضل من وضعوا أياديهم فى يديه، وأنه لولا الرئيس عبدالفتاح السيسى لصار المخطط واقعاً، هو الوحيد الذى قال لا، هو الوحيد الذى رفض اللعبة، هو الوحيد الذى فطن للمخطط، وهو الوحيد الذى اعتبر «التهجير المؤقت، الطوعى، والقسرى» كله سواء.. كله ضد فلسطين والعرب، هو الوحيد -باعتراف إسرائيلى- يرد لمصر الاعتبار، صحيح أننا لا نأخذ منهم شهادة ولا نعتبر لهم كلمة.. لكن الاعتراف الذى جاء فى سياق متعدد متنوع صار وثيقة يردون بها على أنفسهم، حين تنطلق أكاذيبهم من جديد.

يقول التريند إننا لا نعرف الفرحة، حين جاء تعهد «ترامب» بإدراج «الإخوان» منظمة إرهابية لتنكشف ألاعيبهم ونتخلص أخيراً من الدعم والمساندة التى يلاقونها من دول تتربص بمصر، ونفتح صفحة جديدة مع العالم ندفع فيها عن أنفسنا وصمة الإرهاب المتأسلم والإسلام المتطرف، كنا نعتقد أننا على موعد مع الاحتفالات، مع فرحة مشروطة برفع الرأس، مع يقين أننا أصبنا حين لفظنا عهدهم وحين أسقطنا حكمهم، وحين أظهرنا للعالم كله من يعمل من أجل مصر فى مقابل من يستغل مصر.. سقط الاعتقاد على صخرة الواقع، بدلاً من هذا، انصرفنا لتضميد الجراح، لا حديث يعلو فوق حديثهن، أمهات هن والثكالى سواء، من فقدت صغيرتها ضحية متحرش -حتى لو كان تحت السن القانونية- أغوته شهوته إلى قتلها غرقاً فى حمام السباحة، ورغم انتصار العدالة لها، لكن ثمة ألم ما زال يعتصر قلب الأم، كون الإعدام الذى انتظرته لن يتحقق.. القانون يقف بينها وبينه، فهل يحمى القانون القتلة؟

لا نكاد نفرح، لأننا وفى اليوم نفسه الذى أحيينا فيه أعياد الطفولة، خرجت القضية إلى النور، وصارت الكارثة حديث الجميع، وقعت فى مدرسة دولية، ودوَّت أصداؤها فى كل ربوع مصر، من ذا الذى نام ليلتها؟ من ذا الذى لم يبكِ على الصغار الذين فقدوا براءتهم تحت تهديد السلاح؟ من ذا الذى يمكن أن يتعاطف مع المجرمين الذين رأوا فى أجساد صغيرة وضئيلة ما يشبع شهوة حيوانية جائعة، فوضعوا الأسلحة على رقابهم ومارسوا معهم أقذر الأفعال.. إن صوت بكاء الآباء والأمهات ليمزق القلوب أكثر من الفعل نفسه، وإن كسرة القلب التى عاشها هؤلاء وهم عاجزون عن حماية صغارهم ستلاحقهم فى صحوهم ونومهم، وإن الحق حتى وإن عاد -وسيعود بالقانون لا محالة- فلن يمحو الذكرى التى ستحتاج لدعاء صادق بأن يتخلص هؤلاء منها قبل أن يعالجوا من آثارها، إن كابوساً مروعاً يطارد كل أب وأم لحظة تخيل أن المصير نفسه قد يحوم بصغارهم، لذا فإنهم وملايين آخرين هم أسرى لهذا الرعب، لن يروا الفرحة، ولن يشعروا بلذتها، ولن تطل لهم رقبة فخراً، ولن ينتبهوا إلى فعل «مصر» العظيمة وهم خائفون مرعوبون، وهم ينامون بالدموع ويصحون بالكابوس.

إذاً.. متى تجمعنا الفرحة ويدفعنا الفخر إلى الإمام؟

يوم أن ينتصر الرئيس والبرلمان للمطالب التى تتجدد عاماً بعد عام، بتغليظ العقوبات فى كل جرائم التحرش وهتك العرض والاغتصاب، سواء كان الضحية رجلاً أو امرأة أو طفلاً، وسواء كان الجانى طفلاً أو رجلاً أو امرأة، فالرعب الذى يسببه هذا الجرم لا يسقط بالتقادم، والفرحة مشروطة بالأمان.. أمان مَن فى البيوت.

إن المرأة المصرية التى منحت وضحت، ولا تزال تمنح وتضحى، منذ أن وثقت فى صدق القيادة السياسية ورفعت أهدافها، تستحق أن نحقق لها مطلبها الوحيد «أمان الأبناء» فى قوانين تحميهم وتردع المجرمين.