المشروع الصهيونى قام منذ بدايته على رؤيتين رئيسيتين، وهما التوسّع السياسى والجغرافى وإضعاف الدول العربية المركزية، وعلى رأسها مصر، ويشير الكاتب «نعوم تشومسكى» فى تحليلاته فى كتابه «Fateful triangle» إلى أن «الأنظمة الداعمة لإسرائيل تفترض دائماً أن مصر إن بقيت قوية وموحّدة فستظل العقبة الأكبر أمام إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الإسرائيلية». وأكد المؤرخ «شلومو ساند» فى كتابه «اختراع الشعب اليهودى» أن «المشروع الصهيونى لا يكتمل إلا بكسر مراكز القوة التاريخية للعرب، ومصر هى المركز الأهم»، وعلى امتداد عقود ظهر واضحاً أن إسرائيل لم تتخلّ أبداً أيديولوجياً على الأقل عن فكرة تفكيك المنطقة، وهى الفكرة التى وردت بشكل مباشر فى «خطة ينون» عام 1982، ومصر بالنسبة لهذا المشروع هى الصخرة الصلبة التى تحطم موازين الهيمنة، فهى الجيش الأكبر والمؤسسة الوطنية الأكثر رسوخاً والحدّ الفاصل بين اتساع الفوضى وبقاء الشرق الأوسط قائماً.
على الجانب الآخر، بعد ثورة 30 يونيو وسقوط مشروع «الدولة الإخوانية» تحوّل الإعلام التابع للجماعة الممول من الخارج إلى أداة انتقامية بحتة و«شبكة رصد»، باعتبارها نموذجاً لا تُدار كمنصة إعلامية مهنية، بل كذراع تعبوية سياسية تعتمد على التضخيم العاطفى والتهويل وإعادة تدوير الأخبار والخطاب التحريضى، تعمل وفق استراتيجية «خلق أزمة كل يوم» وتشويه أى إنجاز لإظهار الدولة بإطار الإخفاق، ويقول الباحث الفرنسى «جيل كيبل» فى كتابه «الجهاد: المسار التاريخى للإسلام السياسى» إن «الإسلام السياسى حين يخسر السلطة يتحول إعلامه إلى أداة صدام مباشر مع الدولة، بدلاً من أن يصبح صوتاً نقدياً إصلاحياً» تحت مبدأ «لا فيها يا أخفيها»، وقال «كيبل» أيضاً إن «الاستقطاب هو الأداة الأساسية التى تستخدمها الجماعات الأيديولوجية لشقّ الدول المستقرة من الداخل»، وكذلك أشار الباحث «أوليفييه روا» فى كتابه «فشل الإسلام السياسى» إلى أن «الجماعة تمتلك نزعة أيديولوجية تجعلها ترى سقوط مشروعها السياسى تهديداً لوجودها ذاته فتتجه إلى تعبئة إعلامية عنيفة».
وأكد أن سقوط الإسلام السياسى ليس بسبب القمع، بل لأنه يفتقر إلى مشروع سياسى حقيقى يتجاوز مجرد الاستيلاء على حكم الدول، وحتى بعد سقوطه لا يعيد ترتيب نفسه، بل يتفرّغ للمظلومية والتحريض والتعبئة والانتقام. وأضاف «روا» أن «الجماعات الأيديولوجية تستغل الدين ليس لبناء المجتمعات، بل لتحريك العواطف ونزع الشرعية عن المؤسسات القائمة»، كل ذلك متجسد فى محتوى شبكة رصد من موضوعات مزيفة وتصريحات كيدية لا يخفى على عقل طفل حتى نية الإضرار فيها!
من المعطيات السابقة نستنتج أن الاحتلال والإخوان يتفقان على أولاً: إضعاف الجيش المصرى، لأنه المؤسسة التى أوقفت المشروع الإخوانى داخلياً والمؤسسة التى يخشاها الاحتلال إقليمياً، ثانياً: ضرب القيادة والاستقرار الداخلى لتسهيل تهجير الغزيين إلى سيناء والتوسّع الإسرائيلى وانتقام الإخوان من القيادة وعودة الحلم الإخوانى إلى الحياة، ثالثاً: الفوضى النفسية والإعلامية، حيث يتقمص الطرفان دور الضحية، وتقوم إسرائيل بتعبئة الإعلام الغربى، ويحاول الإخوان تعبئة الغضب فى الداخل المصرى. وباعتبار الإخوان أداة وظيفية للغرب كما هو معروف للجميع لإضعاف الشرق الأوسط، تمهيداً لاحتلاله فى المستقبل، يلتقى هذا الهدف بالتوازى مع المشروع الصهيونى المزروع فى الجسد العربى، للوصول إلى الهدف نفسه، ويبقى الدور الإقليمى لمصر صامداً بثباتها ووعى أبنائها وخبرتها التاريخية.