لعبة المخالب

ضغوط الحياة وصعوبة العيش وتعقد المعايش قد تؤدى إلى إخراج أسوأ ما فى الإنسان، خصوصاً ذلك الصنف من البشر الذى لا يتمتع بالمرونة الأخلاقية التى تساعده على امتصاص أو استيعاب الضغوط، والتعامل معها على أنها جزء لا يتجزأ من دورة الحياة التى يوجد فيها الحلو والمر، والجيد والردىء، والفرح والحزن، والضغوط والانفراجات. كثيرون حين يقعون تحت طائلة الضغوط يبدأون فى تنحية الأخلاق جانباً ويخرجون مخالبهم، مثل مجموعة من القطط الضعيفة الخائفة التى تريد الدفاع عن نفسها فى مواقف صعبة ومعقدة.

لم تشتهر حادثة فى مصر، كما اشتهرت حادثة ريا وسكينة، والتى دارت أحداثها على مدار عام كامل يمتد من ديسمبر 1919 -أثناء تفاعل أحداث ثورة 1919 فى الشارع المصرى- وحتى نوفمبر عام 2020، حين تم القبض على الشقيقتين وبقية أفراد العصابة. اهتم الرأى العام المصرى بقضية «ريا وسكينة» اهتماماً بالغاً، ويحكى الكاتب الكبير الراحل «صلاح عيسى» فى كتاب «رجال ريا وسكينة» أن بعض محترفى الاستفادة من ولع الجمهور بالإثارة طبعوا آلاف الصور لكل من ريا وسكينة وباعوها بقروش، وربحوا من ذلك مئات الجنيهات، فالخيال الشعبى -فى ذلك الوقت- كان يريد استحضار صورة تجسد الشر حين ينفجر من داخل النفس وتمتد مخالب صاحبه إلى الآخرين لتسفك دماءهم، ووجدها فى «ريا وسكينة» المرأتين اللتين أجادتا لعبة المخالب.

قبل أن تتفاعل جرائم القتل التى ارتكبتها عصابة «ريا وسكينة» بدءاً من ديسمبر 1919، تفاعلت فى البلاد أحداث جسام زلزلت كيان العباد الذين يسعون فوق أرضها الطيبة. فالعام السابق (1918) كان من أشد الأعوام قسوة على المصريين، وهو العام الذى وضعت فيه الحرب العالمية الأولى أوزارها، وعاشت مصر خلاله حالة من الارتباك السياسى الناتج عن فرض الحماية الانجليزية عليها، وهو ما رفضته الحركة الوطنية، وكذلك الشعب المصرى الذى كان يهتف بحياة عباس حلمى الثانى، الذى تم عزله من الحكم، لأنه لم يقبل فرض الحماية على مصر، وهو ما زاد من شعبيته لدى الناس.

ولا يعلم الكثيرون أن مئات الألوف من المصريين تم تسخيرهم لخدمة المجهود الحربى الإنجليزى -خلال الحرب العالمية الأولى- داخل وخارج مصر، وكان أغلبهم من الفلاحين والعمال، ما أربك الواقع المعيشى والاقتصادى بالبلاد، كما فرض الإنجليز على الحكومة المصرية دفع ملايين الجنيهات من ميزانية البلاد لدعم القوات الإنجليزية. وكان لهبوط أسعار القطن عالمياً، بسبب الحرب، تأثيرات عنيفة على الواقع الاقتصادى فى مصر، التى كانت تعتمد على تصدير الحاصلات الزراعية كعمود فقرى لاقتصادها، كل هذه العوامل وغيرها لعبت دوراً شديد الخطورة فى إرباك حياة الناس.

هذه الأحداث السياسية والاقتصادية كان لها تداعياتها على الأسر المصرية، ومن بينها أسرة «ريا وسكينة»، هناك من استوعب أن تلك طبيعة الظروف، وأن الحرب لها أحكامها، والظروف الداخلية والخارجية لها تأثيراتها على الواقع، وهناك من لم يستوعب ذلك فضاق بالأوضاع السياسية الخانقة، والأوضاع الاقتصادية المتردية، والظروف المعيشية التى تعقدت، فبدأ يُخرج أسوأ ما فيه.