قانون الإعدام الإسرائيلي.. خطوة نحو الإبادة الجماعية
فى 11 نوفمبر الجارى أقر الكنيست الإسرائيلى بالقراءة الأولى مشروع قانون يسمح بتطبيق عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين المتهمين بـ«الإرهاب»، بناء على اقتراح قدمه وزير الأمن القومى اليمينى المتطرف إيتمار بن غفير. حصل المشروع على 39 صوتاً مؤيداً مقابل 16 معارضاً، ويعتبر خطوة أولى نحو إدخال عقوبة الإعدام بشكل انتقائى، إذ يُفرض على الفلسطينيين دون غيرهم، ويتطلب المشروع قراءتين إضافيتين ليصبح قانوناً ملزماً، وهو مشروع صمم خصيصاً كوسيلة للانتقام من الأسرى.
من المعروف أن إسرائيل لا تطبق عقوبة الإعدام عموماً منذ عام 1962 باستثناء قضية «أدولف أيخمان» الذى اختطف عام 1960 من الأرجنتين ونُقل إلى إسرائيل وهو متهم بارتكاب الهولوكوست، حيث اتهم بخمس عشرة تهمة بانتهاك القانون وبدأت محاكمته فى 11 أبريل عام 1961 وأدين أيخمان فى جميع التهم وحكم عليه بالإعدام عام 1962، ويعد هذا حكم الإعدام القضائى الوحيد فى إسرائيل إلى الآن. لذا يعتبر هذا المشروع انتهاكاً للدستور الإسرائيلى غير المكتوب الذى يحمى الحق فى الحياة والمحاكمة العادلة، وينظر له منذ الحديث بشأنه كتمييز عنصرى، إذ يستهدف الفلسطينيين فقط، بينما يحمى المستوطنين اليهود الذين ارتكبوا جرائم مشابهة. ورغم أن المشروع لم يتجاوز القراءة الأولى، ولا يزال قيد المناقشة فى الكنيست، مما يعنى أنه غير ملزم قانوناً بعد، غير أنه يعتبر غطاء قانونياً للقتل الذى يحدث بالفعل داخل السجون، فقد سُجلت 81 حالة وفاة لأسرى فلسطينيين فى السجون الإسرائيلية خلال العامين الماضيين بسبب التعذيب والإهمال الطبى دون محاسبة أو مراقبة. هذا المشروع يزيل الحق بالاستئناف أو الرأفة، مما قد يؤدى إلى إعدامات جماعية لآلاف الأسرى المحتجزين دون محاكمة عادلة (الاعتقال الإدارى)، ولم يخف بن غفير دعوته العلنية لإعدام الأسرى بل يشجع على التطبيق الفورى للقانون. ومنذ ذلك الحين تشهد الساحة «الإسرائيلية» جدلاً متصاعداً بعد إعادة طرح مشروع القانون، هذا المشروع لم يأت من فراغ بل يعود إلى سنوات سابقة ظل خلالها مجمداً بفعل رفض المؤسسة الأمنية والعسكرية له.
إعادة إحيائه اليوم تأتى فى ظل مناخ سياسى واجتماعى تتزايد فيه نزعات اليمين المتطرف، ومع تصاعد التوتر فى المنطقة والحرب المستمرة على غزة، ما يجعل هذا المشروع يعكس بوضوح التحولات العميقة فى بنية القرار «الإسرائيلى» تجاه الفلسطينيين، وإعادة طرحه اليوم ترتبط بعدة عوامل، أبرزها تركيبة الحكومة «الإسرائيلية» الحالية ذات الطابع اليمينى المتطرف، التى تميل نحو فكرة «الحسم» فى إدارة الصراع مع الفلسطينيين، لا إلى إدارته كما كان فى السابق..
إن المجتمع «الإسرائيلى» نفسه أصبح أكثر ميلاً نحو اليمين المتطرف، ما خلق حالة من الانسجام بين الحكومة وقاعدتها الشعبية اليمينية. لقد منحت الحرب على غزة الحكومة الإسرائيلية شعوراً بقدرتها على تمرير ممارسات تتنافى مع القانون الدولى، مثل القتل الجماعى والتعذيب والإعدام الميدانى للأسرى، دون أن تواجه ردود فعل دولية حادة كما كان فى السابق، إذ ينتهك هذا القانون اتفاقيات دولية مثل العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 6 حظر الإعدام التعسفى) واتفاقية جنيف الرابعة (حماية المدنيين والأسرى) واتفاقية مناهضة للتعذيب. فقد وصفت منظمة العفو الدولية المشروع بـ«عقوبة إعدام تمييزية» تشكل جريمة حرب، ودعت إلى وقف تشريعه فوراً، كما يعزز سياسات الأبارتهايد، كما وصفته منظمة بورو- ميد مونيتور، ويعتبر خطوة نحو الإبادة الجماعية حسب تقارير منظمة BDS.
بحسب المراقبين فى حال إقرار مشروع قانون الإعدام، فإنه سيواجه خلافات حادة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية «الإسرائيلية»، إذ تخشى «إسرائيل» من أن تتحول مثل هذه الخطوة إلى عبء على صورتها أمام العالم، لا سيما فى أوروبا حيث بدأت الأصوات تنتقد الرواية «الإسرائيلية» وتبتعد عنها تدريجياً. ويبدو أن العقبة القانونية الأبرز أمام تنفيذ القانون تكمن فى أن الضفة الغربية تخضع للقانون العسكرى «الإسرائيلى» وليس المدنى، ما يعنى أن القانون يجب أن يتماشى مع اتفاقية جنيف الرابعة التى تحظر إعدام المقاتلين المدنيين. لكن إسرائيل قد تتجاوز هذه العقبة تحت ذريعة «محاربة الإرهاب».