لا تزال علاقة «أمريكا والإخوان» واحدة من أكثر القضايا حساسية وحضوراً على الأجندة الدولية فى الأيام الأخيرة، بعد القرار الأخير للرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتوجيهه إلى وزارتى الخارجية والخزانة، لدراسة إمكانية تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية، وفرض عقوبات عليها، باعتبارها كيانات إرهابية عالمية.
انشغل كثيرون بتوقيت القرار الأمريكى، وذهب آخرون إلى استشراف أسبابه، فيما حاول بعضهم رسم سيناريوهات لمستقبل الجماعة داخل أحد أهم مراكز ثقلها السياسى والاقتصادى.
وظنى أن تراكم ثلاثة عوامل رئيسية، هو ما جعل اللحظة مناسبة لاتخاذ القرار الأمريكى: أولها التحول العميق الذى يمر به المزاج السياسى الأمريكى فى أعقاب عودة اليمين الشعبوى، ودوره فى إعادة تعريف مفهوم «التهديدات الداخلية». وثانيها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة فى الشرق الأوسط بعد طوفان الأقصى وأحداث السابع من أكتوبر. والثالث هو صعود تيارات داخل مؤسسات الأمن القومى الأمريكية ترى أن النفوذ الإخوانى فى المجتمع الأمريكى قد تجاوز الخطوط الحمراء، وأن ما كان يُعد «تواصلاً ناعماً» مع الجاليات المسلمة أصبح نافذة محتملة للتأثير الأيديولوجى والسياسى.
ولا شك أن الولايات المتحدة كانت -ولا تزال- أحد أكبر المستفيدين من الجماعة، بعدما أحسنت توظيفها خلال مرحلة صراعها مع ما وصفته بـ«الإسلام المتشدد» عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وانطلاق «الحرب على الإرهاب» من أفغانستان إلى العراق.
فى هذا التوقيت الفارق أحسن «التنظيم الوظيفى» تقديم نفسه كجسر للاعتدال امتص غضب الشارع الأمريكى واحتوى الأثر السلبى لتصاعد الإسلاموفوبيا، إلى أن تمكّن الإخوان، خاصة خلال إدارة أوباما، من التأثير على دوائر صنع القرار الأمريكية، وطرحوا أنفسهم كحل عملى لمعضلة التعامل مع الإسلام السياسى فى الشرق الأوسط، ليظهروا كبديل لبعض الأنظمة العربية عقب موجات الربيع العربى.
والمتابع لتاريخ الجماعة فى الولايات المتحدة يدرك مدى قدرة الإخوان على توظيف المتغيرات لخدمة مشروعهم، إذ بدأ التدفّق الإخوانى إلى أمريكا مع تعديل قوانين الهجرة والجنسية فى ستينات القرن الماضى، وبالتزامن مع أزمتهم الشهيرة مع نظام الرئيس جمال عبدالناصر. ومن تلك اللحظة، شرعوا فى بناء شبكاتهم داخل المجتمع الأمريكى عبر مشروعات تنموية وجمعيات خدمية، وكانت «جمعية الطلاب المسلمين» أولى بواباتهم المؤسسية نحو الانتشار.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه الجمعيات إلى منظمات أكبر وأكثر تأثيراً، وأصبحت قادرة على إدخال الإسلام السياسى فى الأطر القانونية الأمريكية، ولكن برؤية تنسجم مع الخط الفكرى للجماعة. وتوّج هذا المسار فى النهاية بظهور «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية - كير»، الذى كان بطلاً للأزمة الأخيرة فى ولاية تكساس، بعد أن اعتبره حاكم الولاية، ومعه جماعة الإخوان، منظمات إرهابية، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام خطوة ترامب الأكثر تأثيراً، ودعم الآراء التى تطالب منذ سنوات بتصنيف عالمى للجماعة كمنظمة إرهابية.
فقد تضخّمت الجماعة فى الكثير من الولايات الأمريكية، وتمكنت من بناء شبكة مؤسسية واسعة، ضمّت مراكز بحثية، وجمعيات خيرية، ومؤسسات دعوية، وجماعات ضغط سياسى. وفى الوقت نفسه، أسّست كيانات تمويلية لعبت دوراً حاسماً فى امتلاك وإدارة عشرات العقارات الخاصة بالمساجد والمدارس الإسلامية، مما منحها قدرة على التحكم فى البنية التحتية للمؤسسات الإسلامية داخل الولايات المتحدة. وقد ساعد هذا النفوذ القوى للإخوان على إنشاء شبكات تأثير تمتد من المؤسسات التعليمية إلى دوائر السياسة الأمريكية، لتصبح منظماتهم جزءاً من المشهد الذى تعتمد عليه الإدارات المتعاقبة، للتواصل مع الجاليات المسلمة.
القرار الأمريكى الأخير يستدعى تحرّكاً عربياً داعماً من الدول التى سبقت إلى تصنيف الجماعة كتهديد -مصر والسعودية والإمارات- خاصة أن حيثيات القرار حملت ربطاً مضلّلاً بين الجماعة وعمليات «طوفان الأقصى» وأحداث 7 أكتوبر 2023، وهو ربط شديد الخطورة، لأنّه يخلط بين المقاومة و«الإخوان»، ويمنح الجماعة شعبية غير مُستحقة بدلاً من تحجيمها.
وهكذا يتّضح أن «الآن» ليست لحظة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من تداخل المصالح الأمريكية مع «الإخوان»، وصولاً إلى لحظة سياسية مشحونة دفعت واشنطن إلى إعادة النظر فى علاقتها مع أخطر جماعات الإسلام السياسى.