لماذا يكرهون «دولة التلاوة»؟!

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

يحارب أصحاب الفكر المتطرف، ومن يدور فى فلكهم أو يتغذى على خطابهم، برنامج دولة التلاوة بحجج واهية يُكرّرونها بلا علم ولا وعى، مثل أنهم يزعمون أن البرنامج يُخرج القرآنَ عن مقصده إلى مجرد التبارى فى المقامات والأصوات، وأن هذا -فى زعمهم- مما لا يجوز شرعاً، ثم يضيفون إلى هذه المزاعم اعتراضهم على كون مقدّمة البرنامج امرأة، معتبرين صوتها عورة ولباسها حراماً، فى سلسلة من الترهات والخزعبلات التى لا تستند إلى أصل علمى، ولا إلى فقه رصين.

غير أن كراهية هؤلاء لهذا البرنامج لا ترجع إلى هذه الادعاءات، بل إلى أسباب أعمق تتصل ببنية تفكيرهم ورؤيتهم المغلقة للدين وللمجتمع وللجمال الإنسانى، ويمكن تلخيص هذه الأسباب فى أربعة محاور رئيسية:

الأول: أن البرنامج يعيد إلى الواجهة المكانة الأصيلة للقرآن الكريم فى وجدان الناس، ويبرز من جديد مدرسة الأداء المصرية التى شكلت عبر عقود طويلة الذائقة القرآنية للعالم الإسلامى، فالمصرى بطبعه يأنس إلى القرآن بصوت الجمال والسكينة، ويستريح إلى القراءات التى تمتزج فيها الروح بالمقام، والنغم بالخشوع، وهذا ما يزعجهم، لأنهم يريدون فرض أصوات مستوردة عن مزاج أهل مصر، أصوات جافة منفصلة عن المدرسة المصرية العريقة، ولقد كتبتُ من قبل مقالاً فى «الوطن» حول أثر المدرسة المصرية فى تنقية الروح ونبذ التطرف، فالقرآن حين يُقرأ على الطريقة المصرية يوقظ فى النفس المحبة والطمأنينة، لا الصدام والغضب، أما المتشدّد فيريد تديّناً صاخباً، قائماً على الجدال، والتبديع، والصراع، والشدة فى غير موضعها.

الثانى: اعتاد هؤلاء التعامل مع الدين بطريقة جافة منزوع منها الذوق والجمال، فهم يرون التديّن مجموعة من الأوامر والنواهى تُطبَّق كآلة بلا روح، أما برنامج دولة التلاوة فيقدّم الدين بصورته الراقية التى جمعت بين العلم والإحساس، وبين النص وعمارة الذوق، فيُظهر جمال الصوت القرآنى ومهابة الأداء وروحانية المقام، وهذه المعانى لا يطيقها أصحاب النفوس القاسية، فطبيعتهم تميل إلى القبح وكره كل ما فيه روح وجمال، حتى المتحف المصرى الكبير لم يسلم من حملاتهم، لأن الجمال وحده يفضح ضيق أفقهم وتشوه رؤيتهم.

الثالث: أن خطاب هؤلاء يتغذى على إثارة الفتنة وتأجيج الخلاف، فهم لا يريدون للمجتمع أن يجتمع على كلمة أو يلتف حول قيمة نبيلة، وبرنامج دولة التلاوة يصنع حالة وجد جماعية تجعل الناس -من مختلف الأعمار والطبقات- يجتمعون حول القرآن بمحبة وإعجاب، وهذا ما يُرعب جماعات التشدّد، لأنها لا تستطيع السيطرة على اللحظات الجميلة التى تعيشها الشعوب، ولذلك تراهم يمنعون أبناءهم وأتباعهم من مشاهدة البرنامج، إنهم يخشون أن يتعرف أبناؤهم على جمال القرآن خارج قوالبهم الضيقة، وهكذا لا تكتفى هذه الجماعات بإفساد حياة الأمة، بل تمتد جنايتها إلى أتباعها فتحرمهم من تذوق الجمال ومن لحظات الفرح المشروعة.

الرابع: أن البرنامج يقدم مصر للعالم بوصفها دولة التلاوة، ويؤكد مكانتها التاريخية فى تشكيل الذائقة القرآنية وقيادة مدارس الأداء فى المنطقة، وهذه الحقيقة تُزعج المتشدّدين، لأنهم بنوا خطابهم على أن مصر تحارب الإسلام، لكن برنامج دولة التلاوة يحطم هذا الادعاء أمام الملايين، ويعيد الاعتبار إلى المدرسة المصرية التى تجمع بين العلم والجمال والاعتدال، وهو ما يجعل خطاب التطرّف هشّاً أمام قوة الحضور المصرى الأصيل.

وفى المحصلة، فإن المتشددين لا يكرهون برنامج دولة التلاوة لأنه يخالف الدين، بل لأنه يخالف صورتهم الذهنية للتدين، وليس لأنه يضلل الناس، بل لأنه يوقظ الفطرة السليمة التى تعرف أن القرآن رحمة، وأن الجمال جزء من جوهر هذا الدين.