نهاية الدور الوظيفي لجماعة الإخوان (2)
أشارت بعض الوثائق إلى الزيارة «الغامضة» لطارق رمضان، زوج حفيدة حسن البنا، للبيت الأبيض ومقابلته للرئيس دوايت آيزنهاور، فى خمسينات القرن الماضى، فى إطار ما يُعرف بـ«الصفقة الصامتة»، وكانت الولايات المتحدة، فى ذلك الوقت، تبحث عن حليف إسلامى مضاد للنفوذ السوفيتى.
هذه «الصفقة» تجلت بشكل أوضح فى تقارير إعلامية لاحقة، مثل التقرير الذى نشرته صحيفة «واشنطن بوست» فى سبتمبر عام 2004 بعنوان «البحث عن أصدقاء بين الأعداء»، والذى دعا صراحة إلى الاستعانة بـ«الإسلام السياسى» لمواجهة الإرهاب، رغم اعتراف التقرير بارتباطات الجماعة نفسها بالإرهاب.
وذهب مسئولون سابقون فى المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) مثل جراهام فولر إلى أبعد من ذلك، معتبرين الحركة البارزة فى العالم الإسلامى شىئاً يمكن العمل معه.
وتم استخدام الجماعة كأداة فى حربين: الأولى ضد الناصرية والقومية العربية، والثانية ضد السوفييت فى أفغانستان.
لكن هذه الأداة كانت ذات حدين، فبينما كانت تخدم المصالح الغربية المؤقتة، كانت تبنى إمبراطوريتها الخاصة، بتمويل خارجى، وأنشأت شبكة عالمية من المؤسسات التى تروج لأيديولوجيتها.
كان الثمن الذى دفعه الغرب للتحالف مع الإخوان هو السماح لهم ببناء شبكة معقدة ومتداخلة داخل المجتمعات الغربية نفسها، وخاصة فى الولايات المتحدة، التى تبنت شعارات «الحوار بين الأديان» و«تمثيل المسلمين»، وتأسست عشرات الكيانات التى كان ظاهرها العمل الدعوى والثقافى والخيرى، بينما كان باطنها إنشاء هيكل موازٍ.
بدأ الأمر برابطة الطلاب المسلمين فى ستينات القرن العشرين، والتى أصبحت الحاضنة للنشاط الإخوانى فى الجامعات الأمريكية، حيث تم تجنيد الطلاب ونشر أفكار سيد قطب بينهم، ثم تطور إلى تأسيس «الجمعية الإسلامية فى أمريكا الشمالية» و«الثقة الإسلامية الأمريكية الشمالية» كذراع مالية استراتيجية.
لكن الذراع الأكثر شهرة، وخطورة، كانت «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية»، وكشفت تحقيقات فيدرالية، تتعلق بقضية «مؤسسة الأرض المقدسة» عام 2008، التى أدينت بتحويل 12 مليون دولار لحركة حماس، عن الدور الحقيقى لـ«كير» كامتداد للجنة فلسطين التابعة للإخوان، والمكلفة بتوفير الدعم السياسى والإعلامى لحماس داخل الولايات المتحدة، وهذه الأدلة دفعت مكتب التحقيقات الفيدرالى (FBI) إلى قطع التعاون مع «كير» بين عامَى 2008 و2013.
هذه الشبكة، التى تضم أيضاً منظمة «المجتمع الأمريكى المسلم» و«معهد الفكر الإسلامى الدولى»، عملت بمنطق «الجهاد الحضارى» أو «النشاط الإرهابى الناعم»، حيث وظفت حرية التعبير والديمقراطية الأمريكية لبناء نفوذ داخل الإعلام والأوساط الأكاديمية وبعض الدوائر السياسية، بينما تروج فى الخفاء لأجندة متطرفة.
وسقط مشروع الجماعة الإرهابية فى مصر، وكانت ثورة 30 يونيو 2013 هى الضربة القاضية للمشروع الإخوانى، وفشل «حكم المرشد» الذى لم يستمر سوى عام واحد، وكشف عن عجز أيديولوجى وسياسى فادح، والأهم من ذلك، أن سقوط الجماعة فى مصر -بلد المنشأ- أفقدها ركيزتها الاستراتيجية الأهم وقاعدتها الشعبية الأوسع.
هذا السقوط أدى إلى تحول جذرى فى النظرة الغربية، فمن كيان كان يُنظر إليه على أنه «معتدل» و«قابل للدمج» فى اللعبة السياسية، تحولت الجماعة إلى عبء سياسى ثقيل، والأهم أنها أصبحت خطراً أمنياً داهماً.
وللحديث بقية.