المستشار أحمد بركات يكتب: جريمة في الأرض الفاضلة

كتب: editor

المستشار أحمد بركات يكتب: جريمة في الأرض الفاضلة

المستشار أحمد بركات يكتب: جريمة في الأرض الفاضلة

ليست كل الجرائم سواء.. فبعضها يهدم جدران القانون الذى صنعه الإنسان، أما جريمة الاعتداء على الأطفال فتدمر جدران الإنسان ذاته.

إنها جريمة استثنائية تطعن البراءة فى مهدها، وتمس الفطرة التى فطر الله الناس عليها.

إن الجرائم التى تتمرد على الفطرة السليمة، تذكرنا بقول الله سبحانه وتعالى: «واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ»، فالآية رغم نزولها فى حادثة محددة «رجل آتاه الله الآيات والمعرفة، لكنه تركها ونبذها بعد أن أتبعه الشيطان ليصبح من الضالين»، لكنها ترسخ لقاعدة عامة، وهى الانسلاخ من الأفضل لاختيار الأسوأ.

لم تكن جريمة نبى الله لوط وأتباعه من وجهة نظر قومه هى الفاحشة، بل كانت الطهارة نفسها - قالوا «أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ».

سبحان الله رفضوا وجود الطاهر بينهم لأنه يفضح انحرافهم أمام أنفسهم، وهكذا الأمر اليوم.

إن ما فعله بعض العاملين فى تلك المدرسة بالأطفال الصغار، هو إعلان صريح لرفض البراءة نفسها، ومحاولة لتدميرها، إنهم أخطر من القتلة، قالقاتل -رغم فظاعة فعله- يزهق نفساً، أما هؤلاء فيزهقون مجتمعاً كاملاً، إنها إبادة للبراءة.

وهنا يُطرح السؤال الأعم: كيف يمكن لإنسان أن ينسلخ من فطرته النقية ليصبح شيطاناً فى هيئة بشر؟
تزداد فداحة الجريمة حين تقع فى أماكن نعتقد أنها آمنة ومحصنة ضد الانحدار الأخلاقى، وعلى رأسها المؤسسات التعليمية.. «جريمة فى الأرض الفاضلة».

إن الفضيلة ليست حالة ثابتة، بل جهد يومى للحفاظ على مجتمع متوازن. والجريمة فى بيئة آمنة تكشف لحظة غياب الوعى وانكسار الرقابة.

الوقائع الأخيرة، التى تورّط فيها أكثر من جانٍ ضد أطفال دون السادسة، تؤكد أننا أمام جرائم لا يصلح معها العفو، ولا تخفف فيها الأعذار. فالمجرم دائماً لا يدرك قيمة العفو لأنه لا يدرك قيمة الأخلاق، لكنه يعرف ألم العقاب جيداً، وهكذا كانت سنن المفسدين عبر التاريخ.
———
ردود الديانات السماوية على تلك الجريمة:
جميع الديانات السماوية أدانت تلك الجريمة: الإسلام: اعتبر الاعتداء على الطفل إفساداً فى الأرض ويستوجب أشد العقوبات، المسيحية: وصفته بالخطيئة الكبرى التى تستوجب الطرد والمحاسبة، اليهودية: فرضت تعويضاً وعقاباً رادعاً، باعتباره تعدياً على النفس والعهد.
الرسالة واحدة: لا تسامح مع من ينتهك الطفولة.
———
ردود القوانين الوضعية على تلك الجريمة:
القوانين الحديثة شددت على حماية الطفل بعقوبات وتشريعات صارمة:
فى أوروبا تصل العقوبة إلى السجن المؤبد، وفى أمريكا تتراوح العقوبة ما بين 30 و50 سنة، وكأن القانون يعتبر مرتكبى هذه الجريمة فئة غير صالحة للعيش بين البشر.
وهى ذات الفكرة «مع الفارق» التى دعت ذا القرنين إلى عزل يأجوج ومأجوج «إنها فئة لا يُجدى معها الإصلاح، إلا بالعزل التام بعيداً عن البشر».
أما فى مصر: فالمادة 306 مكرر (أ)، (ب) من قانون العقوبات تنص على «السجن من 3 سنوات إلى 5 سنوات، وتصل العقوبة من 7 إلى 10 سنوات إذا اقترن الفعل بالتهديد أو كان الفاعل مسلحاً.
ورغم أن القانون المصرى لم يتهاون إلا أنه صيغ نصوص لجريمة نادرة الحدوث، أما اليوم ومع تكرار الظاهرة، فقد حان وقت إعادة النظر فى التشريع بما يناسب الواقع ويستند للعلم للحد من انتشار هذه الجرائم.
وهناك بُعد اجتماعى مهم يدعو إلى عزل هذه الفئة فى مؤسسات خاصة لإعادة التأهيل فهل سينجح المجتمع فى ذلك.
.......
أسباب الفشل فى الوقاية:
المشكلة الحقيقية ليست فى النصوص، بل فى التطبيق والرقابة، فقد أظهرت الأحداث فجوات خطيرة منها ضعف إجراءات التوظيف والفحص الجنائى، غياب رقابة مستقلة داخل المؤسسات التعليمية الخاصة، قصور فى أدوات الحماية الفورية.
والأدهى أن تستمر الجريمة سنوات داخل المؤسسة نفسها وعلى أطفال متعددين، أين كانت إدارة المدرسة؟ أم أن المادة طغت على العقل والأخلاق؟!
.......
الحلول المقترحة
المؤسسات التعليمية الخاصة تحتاج إلى رقابة وقوانين صارمة، فالتعليم ليس استثماراً مالياً، بقدر ما هو استثمار تربوى وأخلاقى.
يستتبع أن يكون القائمون عليه من المتخصصين تربوياً وإنسانياً، لأن أى خلل فى الإدارة يعنى تسليم الأطفال لمن هم غير أسوياء نفسياً أو أخلاقياً.
.......
إجراءات عاجلة
حماية الأطفال مسئولية الدولة والمجتمع معاً - مصر بحاجة إلى:
هيكلة رقابية مستقلة داخل قطاع التعليم.
تجديد نظام الترخيص السنوى مع التحقق من الالتزام بمعايير حماية الطفل.
تفعيل التفتيش المفاجئ والمتكرر للمؤسسات.
فحص جنائى دورى للعاملين.
آلية بلاغ موحدة تعمل على مدار الساعة للوالدين والمجتمع.
هذه ليست إجراءات تجميلية، بل حائط صد حقيقى لحماية الطفولة.
.........
دور الذكاء الاصطناعى
ومع تطور العالم وتوجه الدولة نحو الذكاء الاصطناعى، يمكن أن يصبح أداة فاعلة للوقاية: بعمل كاميرات ذكية لرصد السلوكيات الشاذة والتنبيه المبكر، تحليل البيانات لتوقع المخاطر قبل وقوع الجريمة، إشعارات فورية للجهات المعنية وأولياء الأمور.
لكن الحماية الحقيقية تبدأ من وعى المجتمع، فالقانون والتكنولوجيا وحدهما لا يكفيان، ليظل نشر البرامج التوعوية وتثقيف الأهل والمعلمين هو الأساس.
...
خاتمة
فى النهاية، معركة حماية الطفولة ليست بين قانون ومتهم، بل بين مجتمع وضميره. الأرض لن تصبح فاضلة إلا حين يقف الجميع تشريعاً، ورقابة، ومدرسة، وأسرة، وقضاء.
قفوا جميعاً بلا رخاوة ولا تردد.
فالبراءة التى تُنتهك مرة.. لا يعيدها إلا مجتمع يقظ، ودولة تحمى، وعدالة لا تتأخر.