نهاية الدور الوظيفي لجماعة الإخوان (3)
رأت واشنطن كيف أن «الإخوان»، بعد إزاحتهم عن الحكم فى مصر، لم يجنحوا إلى المعارضة السياسية السلمية، واختاروا طريق التحريض والعنف، وامتد حبل الغباء بهم إلى حد طلب الدعم من الخارج لهذا النهج، كما تجلى فى اعتصامَى «رابعة العدوية» و«النهضة» المسلحين، وما رافقهما من توسلات بـ«تدخل أمريكى» لإنقاذهم.
انكشفت الأوراق، وأصبحت الجماعة التى استخدمها الغرب لزعزعة استقرار الدول المعادية، هى نفسها مصدراً لزعزعة استقرار حليف استراتيجى مهم مثل مصر.
ولم يعد «التطرف المعتدل» -إن جاز التعبير- مقبولاً. لقد أصبحت التكلفة باهظة جداً.
فى هذا السياق الممتد، جاء قرار الرئيس دونالد ترامب ليس كبادرة منعزلة، ولكن كنتيجة حتمية لتراكم الضغوط والوعى بالمخاطر. البيان الرسمى للبيت الأبيض كان واضحاً فى تحديد الهدف، وهو «حماية الولايات المتحدة من التهديدات الاستثنائية» و«القضاء على قدرات وعمليات الفروع التى يتم تصنيفها، وحرمانها من الموارد».
ووجَّه ترامب وزيرَى الخارجية والخزانة، بالتشاور مع المدعى العام ومديرة الاستخبارات الوطنية، بدراسة تصنيف فروع محددة (مع الإشارة إلى لبنان ومصر والأردن).
وطالب أيضاً بإعداد تقرير يحدد ما إذا كانت هذه الفروع تستوفى معايير التصنيف كمنظمات إرهابية.
وبموجب القرار، على الوزيرين اتخاذ الإجراءات اللازمة خلال 45 يوماً بعد تقديم التقرير لفرض التصنيف.
هذه الآلية تعكس حرص الإدارة الأمريكية على تحصين القرار قانونياً ضد أى طعون مستقبلية، خاصة بعد الدعوى التى رفعتها «كير» ضد حكومة «تكساس» بعد أن صنفها حاكم الولاية، جريج أبوت، كمنظمة إرهابية.
ومن بين تداعيات هذا القرار المتوقعة، يأتى إحكام عزل جماعة الإخوان دولياً فى المقام الأول، حيث يضع الولايات المتحدة إلى جانب دول، مثل مصر والإمارات والسعودية وروسيا، سبقتها بهذا التصنيف.
ومن آثاره أيضاً تجفيف المصادر المالية للجماعة، حيث يتم السماح بتجميد أصول الفروع المصنفة ومنع تحويل الأموال لها، مما يضرب شبكتها المالية فى الصميم، وكذلك تقييد حركة أعضاء وقادة هذه الفروع، ومنعهم من دخول الولايات المتحدة.
قرار تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية يمثل أكثر من مجرد تحوُّل فى السياسة الأمريكية، فهو إعلان عن نهاية حقبة تاريخية طويلة من التوظيف المتبادل، والغموض الاستراتيجى، بعد أن أدرك الغرب -متأخراً- أن «وحش فرانكنشتاين» -كما وصفه بعض الباحثين- قد خرج عن السيطرة.
انتهى «الدور الوظيفى» للجماعة لحساب الغرب، وبعد فشلها فى الحكم، وتورطها فى العنف، وتغلغلها الخطير داخل المجتمعات الغربية نفسها، أصبحت عبئاً لا يُحتمل.
القرار الأمريكى هو بمثابة تصفية لهذا الحساب التاريخى الطويل، إنه اعتراف بأن أداة زعزعة الاستقرار السابقة هى التهديد نفسه، وأن التواطؤ مع الأيديولوجيات المتطرفة، تحت أى مبرر من مبررات المصلحة الآنية، هو دائماً استثمار خاسر على المدى الطويل.