هل تصبح مصر مركزاً إقليمياً للطاقة؟.. الضبعة تجيب
بعد أكثر من نصف قرن من التأجيل والمحاولات المتعثرة، يعود الحلم النووى المصرى إلى الواجهة من جديد، ولكن هذه المرة بخطوات عملية وملموسة، ففى الوقت الذى تتسابق فيه دول العالم نحو مصادر طاقة أكثر استقراراً ونظافة، تضع مصر قدمها بثبات على طريق امتلاك واحدة من أهم التقنيات الاستراتيجية فى القرن الحادى والعشرين، ومع تقدم الأعمال فى محطة الضبعة النووية، لم يعد المشروع مجرد فكرة مؤجلة، بل واقعاً يتشكل يوماً بعد يوم، معلناً دخول البلاد مرحلة جديدة فى ملف الطاقة وتوطين التكنولوجيا المتقدمة.
ظل حلم مصر فى إنشاء محطة نووية يرفرف فوق رؤوسنا عقوداً طويلة، تزيد على نصف قرن، حلم كان يدرك المصريون قيمته وجدواه، لكنه ظل معلقاً بين تناقضات الواقع وغياب الإرادة السياسية القادرة على كسر القيود وفتح الأبواب. فلم تكن العقبات قليلة، ولا الظروف سهلة، غير أن الإرادة الجريئة التى تقدم مصلحة الوطن على كل شىء لم تتوفر إلا حين تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مسئولية قيادة الدولة، عندها عاد الحلم إلى الواجهة، لا بوصفه طموحاً مؤجلاً، بل باعتباره أحد مفاتيح المستقبل وركناً أصيلاً من أركان التنمية المستدامة.
وبمجرد استعادة الملف النووى مكانته، بدأت الدولة فى إعادة ترتيب تفاصيله على أسس علمية دقيقة، والتحقق من توافقه مع أعلى معايير الأمان الدولية. وفى عام 2015، وقع الاتفاق التاريخى مع شركة «روسا توم» الروسية لإنشاء محطة الضبعة النووية بقدرة 4800 ميجاوات، لتصبح مصر على أعتاب امتلاك أحدث ما أنتجته التكنولوجيا النووية فى العالم.
ولم يكن المشروع مجرد خطوة فنية أو إنشائية، بل كان رداً عملياً على كل الادعاءات التى رددها المتشائمون وأعداء النجاح، ممن زعموا أن الدولة تركز فقط على مشاريع قصيرة الأمد وسهلة العائد، كالسياحة، والاستثمارات العقارية، فجاء مشروع الضبعة ليسقط هذه الأوهام كلها، ويؤكد أن مصر تسعى إلى نقل التكنولوجيا المتقدمة وتأسيس قاعدة معرفية وصناعية ممتدة لسنوات طويلة.
ومؤخراً.. شهدت مصر وروسيا احتفالاً تاريخياً بتركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى، وجاءت كلمات الرئيسين السيسى وبوتين فى تلك اللحظة لتضيف إلى الحدث بعداً إنسانياً وسياسياً عميقاً، كان ذلك الاحتفال علامة فارقة تعلن أن الحلم الذى انتظرناه طويلاً بدأ بالفعل يعد خطواته الأخيرة قبل أن يصبح حقيقة كاملة.
ولكى نفهم قيمة ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور، فقد ولد حلم المشروع النووى السلمى فى ستينات القرن الماضى، ثم تجسدت ملامحه فى عام 1981 باختيار موقع الضبعة كموقع مثالى، نظراً لخصائصه الجيولوجية وبعده عن التجمعات السكنية. لكن الطريق لم يكن معبّداً، إذ تعرض المشروع للتأجيل مراراً نتيجة تغير السياسات وضغوط دولية وارتفاع التكلفة، ثم توقف كلياً بعد أحداث 2011، ليظل الحلم معلقاً حتى أعيد إحياؤه بقوة فى منتصف العقد الماضى.
وتتجاوز أهمية محطة الضبعة كونها مصدراً للكهرباء؛ فهى مستقبل للطاقة النظيفة والمستدامة، وضمانة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء مع التوسع العمرانى والصناعى، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى، وخفض الانبعاثات الكربونية بما يتوافق مع التزامات مصر الدولية تجاه المناخ. كما يفتح المشروع الباب واسعاً أمام توطين التكنولوجيا النووية وتأهيل الكوادر المصرية، ليصبح العلم والمعرفة من أبرز ثمار هذا الإنجاز.
أما المخاوف المرتبطة بالمحطات النووية، فقد تجاوزها العلم الحديث بفضل المفاعلات من الجيل الثالث+ (VVER-1200)، التى تتميز بأعلى معايير الأمان فى العالم. فهى مفاعلات تعتمد على الإغلاق التلقائى، وتضم مبانى مزدوجة العزل تتحمل أقسى الظروف، فضلاً عن أنظمة تبريد سلبية لا تحتاج إلى كهرباء أو تدخل بشرى فى الطوارئ. وتؤكد تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هذه المفاعلات تعد من الأكثر أماناً عالمياً.
ومع أن مشروع الضبعة يحمل فوائد كبيرة لمستقبل الطاقة فى مصر، فإنه من الطبيعى أن تهتم الدولة ببعض الأمور المهمة لضمان نجاحه الكامل، مثل متابعة التكلفة، وتدريب المزيد من الكوادر المصرية، ومراقبة الجوانب الفنية والبيئية باستمرار. وهذه أمور عادية فى أى مشروع نووى كبير حول العالم، ولا تقلل أبداً من قيمة المشروع، بل تساعد على تحقيق أكبر فائدة منه بأعلى درجات الأمان.
وهكذا، لا تبدو محطة الضبعة مجرد مشروع لتوليد الطاقة، بل مشروع وطنى يعيد صياغة مستقبل مصر ويضعها فى المكانة التى تليق بتاريخها وإمكاناتها، وبعد عقود من التوقف والانتظار، أصبح الحلم واقعاً بفضل إرادة سياسية واضحة ورؤية تؤمن بأن التنمية الحقيقية تبنى على المشروعات الكبرى التى تمتد آثارها لأجيال طويلة قادمة.
فى النهاية، يبدو مشروع الضبعة شاهداً على مرحلة جديدة تتقدم فيها مصر بخطوات محسوبة ورؤية واضحة، فالمشروع لم يكن ليعود إلى مساره لولا قرار سياسى اختار أن يواجه التحديات بدلاً من تجنبها، وأن يستثمر فى المستقبل لا فى الحلول المؤقتة، اليوم.. ومع كل خطوة يتم إنجازها، تتأكد جدية الدولة فى بناء قاعدة طاقة حديثة تضع مصر فى المكان الذى تستحقه إقليمياً ودولياً، إنه مشروع تتداخل فيه الهندسة مع السياسة، ويعكس إصرار القيادة على أن تسير البلاد فى طريق تنموى طويل المدى، طريق يضمن استقرار الطاقة، ويدعم تطلعات الأجيال القادمة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً واستقلالاً، إن ما بدأه الرئيس عبدالفتاح السيسى يتحول إلى حقائق ملموسة ستخدم الأجيال القادمة لسنوات طويلة.