«أيتام غزة».. إسرائيل قتلت آباءهم وسرقت طفولتهم
«أيتام غزة».. إسرائيل قتلت آباءهم وسرقت طفولتهم
بين ركام البيوت المدمرة، يقف أطفال غزة الجرحى والأيتام، صغارٌ فقدوا أهلهم وأمانهم فى لحظة، ولم تترك لهم الحرب التى استمرت لعامين سوى جراح مفتوحة وأسئلة بلا إجابة، فى عيونهم حكايات موجعة لم تُكتب بعد، وابتسامات تختبئ خلف الألم، بينما يحاول كل واحد منهم التمسك ببقايا أمل يعيد إليه شيئاً من الطمأنينة بين غياب الأسرة والبحث عمّن يمنحهم الحنان والأمان.
فى خيمة أو مركز إيواء أو غرفة مستشفى، يتردّد صوت طفل ينادى على أمه التى لن تعود، يُمسك بضماد جرحه ويحدّق فى الفراغ، محاولاً استيعاب ما حدث، حوله أطباء وممرضون يحاولون تهدئته، لكن الفراغ الذى تركه الغياب أكبر من قدرتهم على التخفيف، ووسط هذا المشهد تقف الطفلة إيلين أحمد عصام، 4 سنوات ونصف، مصابة برصاصة اخترقت ظهرها، ترتدى فستاناً أصفر وتحتضن قطة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من دفء فى عالمها، فقدت والديها وبيتها، وبات الركام جزءاً من يومها، لكنها واحدة من آلاف الأطفال الجرحى الأيتام الذين يرصد هذا التحقيق معاناتهم اليومية وأحلامهم الصغيرة، عبر شهادات جمعها معدّ التحقيق من أكثر من 55 طفلاً، وأطباء، وعاملين فى الخدمات الإنسانية فى القطاع.
«جوان» فقدت عينها اليسرى.. و«إيلين» رصاصة اخترقت ظهرها وتعاني صدمة نفسية بعد استشهاد والديها و«سمر» أصبحت «أم» أشقائها الخمسة بعد تيتمهم
وحسب ما يقوله خالها، محمود خالد لـ«الوطن»: «بقيت إيلين وحيدة يتيمة بعدما فقدت والديها، وأجرت جراحة بعدما أصيبت برصاصة فى ظهرها، وظلت فى المستشفى لنحو 3 أشهر، ثم خاضت معنا رحلة النزوح، لكنها لا تزال تسأل عن والديها اللذين حرمتها الحرب منهما».
طفل جريح بلا عائلة
خلّفت الحرب التى استمرت أكثر من عامين على غزة عدداً كبيراً من الأطفال الجرحى والأيتام الذين فقدوا أحبتهم وأُجبروا على مواجهة الحياة بمفردهم، فالجروح لم تقتصر على أجسادهم الصغيرة، بل امتدت لتطال قلوبهم وطفولتهم المسلوبة، تاركة لهم صدمة مستمرة وأحلاماً مؤجلة، وسط معاناة يومية تحتاج إلى دعم وحماية إنسانية عاجلة، إذ خلّف العدوان الإسرائيلى على غزة فى السابع من أكتوبر عام 2023، وحتى 7 أكتوبر 2025، نحو 44 ألفاً و142 طفلاً جريحاً و58 ألفاً و554 طفلاً يتيماً (إما فقد أحد والديه أو كليهما)، حسب إحصاء خاص حصلت عليه «الوطن» من وزارة الصحة الفلسطينية.
«أطباء بلا حدود» أضافت مصطلح «طفل جريح بلا عائلة ناجية» لوصف من فقدوا أسرهم
ولعل هذا ما اضطر منظمة أطباء بلا حدود إلى إضافة مفردات جديدة للمساعدة الطبية الطارئة، بينها مصطلح (WCNSF) وهو اختصار لعبارة: «طفل جريح بلا عائلة ناجية - Wounded Child، No Surviving Family»، وهو مصطلح طبى وإنسانى تم استخدامه لوصف الأطفال الذين فقدوا أسرهم فى الحرب الأخيرة فى غزة، وتم استخدام هذا المصطلح لأول مرة فى نوفمبر 2023.
مدير بمجمع ناصر الطبي: إصابات الأطفال نتيجة استهدافات صاروخية مباشرة
الأطباء فى مستشفيات غزة أكدوا أن أعداد الأطفال المصابين ارتفعت بشكل غير مسبوق خلال عامى الحرب، كثيرون منهم خرجوا من بين الأنقاض جرحى وأيتاماً فى الوقت ذاته، بين الجدران الباردة للمستشفيات المتهاوية، يُسمع بكاء الأطفال يختلط بأصوات الأجهزة الطبية، فيما يحاول الأطباء والممرضون بذل المستحيل لإنقاذ ما تبقى من براءتهم، رغم تدمير البُنى التحتية والأجهزة الطبية ونقص المستلزمات والأدوية.
الوضع «كارثي»
تقارير المنظمات الإنسانية وصفت الوضع بـ«الكارثى»، فآلاف الأطفال اليوم يعيشون بلا أسر، يعانون من صدمات نفسية عميقة وإصابات جسدية مزمنة، هؤلاء الصغار، الذين كان يُفترض أن يحملوا دفاترهم إلى المدارس، أصبحوا الآن يحملون آثار الحرب على أجسادهم وأحلامهم المكسورة بين أنقاض منازلهم، بينما فى الملاجئ والخيام المؤقتة، يروى المشهد حكايات الفقد والألم، هناك طفلة تبحث عن حضن أمها، وطفل يظن أن أباه سيعود ليأخذه قريباً، وآخر ما زال يسأل عن بيته الذى صار رماداً، لكن رغم الجراح يبقى فى عيونهم بصيص ضوء يرمز إلى صمود يليق بأطفال غزة الذين لم يعرفوا سوى المقاومة فى وجه الموت.
طبيب عظام بـ«شهداء الأقصى»: استقبلنا آلاف الأطفال الجرحى الأيتام وعانينا من نقص المستلزمات والأدوية.. وقسّمنا الحالات وفقاً للأولوية لتقليل حالات البتر
لم تكن الطفلة «إيلين» التى لا تزال تعانى من آثار الرصاصة المدمّرة التى اخترقت ظهرها، وحدها التى فقدت والديها، فالطفلة رنا يوسف محمد أبوجزر، البالغة من العمر 10 سنوات، أصيبت خلال الحرب بطلق نارى فى الفخذ اليسرى، وتعرّضت لكسر فى قدمها ومشكلات فى الأوعية الدموية وتهتك فى بعض الأعصاب الطرفية، حسب تقرير صادر عن مجمع ناصر الطبى الذى استقبلها بقسم الطوارئ فى السادس والعشرين من يوليو 2025. كما فقدت الطفلة والدها خلال قصف مستشفى غزة الأوروبى برفح بعد نزوحهم من غزة عقب قصف منزلهم.
صالحة سليمان، والدة الطفلة، أكدت أنها لا تزال تعانى من صدمة نفسية عنيفة، خاصة عقب استشهاد والدها فى السادس عشر من مارس 2024 خلال هجوم على مستشفى غزة الأوروبى برفح: «رنا أجرت عدة جراحات لتثبيت الكسر فى القدم وإصلاح عيوب الفخذ ولا تزال تحتاج إلى علاج آخر، ونحن نعيش الآن فى أحد منازل أقاربنا رغم انتهاء الحرب، دون وجود ما يكفى لعيش حياة شبه آدمية».
تحاول الأم تخفيف وطأة الذكريات الأليمة التى تراود طفلتها، خاصة حينما تسأل: متى يعود والدها؟ كما تحاول إعادة دمجها مرة أخرى مع أطفال آخرين من خلال اللعب: «كنا معاً نحتمى فى المستشفى، واستُشهد والدها أمام عينيها، لذا لم تستطع نسيان اللحظة حتى الآن، أحاول مساعدتها فى تخطى ما رأته من مشاهد دامية، لكننى حتى الآن لم أستطع، تحتاج إلى إعادة تأهيل نفسى كآلاف آخرين من أطفال غزة، أحاول خلق عالم جديد ملىء باللعب والضحك لتتجاوز ما فقدته».
آلاف الجرحى الأيتام
«رنا» هى واحدة من آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين فقدوا أسرهم فى حرب غزة، وفقاً لإحصاء وزارة الصحة الفلسطينية، الذى يقدّر عدد الأطفال الذين تيتّموا خلال الحرب الأخيرة فى غزة بـ58 ألفاً و554 طفلاً، والذى يشير أيضاً إلى أن بينهم 20 ألفاً و966 طفلاً فقدوا عائلاتهم بالكامل، وكذلك بينهم 44 ألفاً و142 طفلاً جريحاً منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 7 أكتوبر 2025، ويحتاج 5580 طفلاً للإخلاء الطبى للعلاج خارج القطاع.
مدير عام «الصحة الفلسطينية»: المنظومة الصحية لم تشهد تحسّناً منذ وقف إطلاق النار.. والاحتلال يتعمّد منع دخول المواد اللازمة للعلاج
الدكتور محمد شاهين، طبيب جراحة العظام بمستشفى شهداء الأقصى، كان شاهداً على استقبال عشرات الأطفال المصابين بكسور وجروح ناتجة عن شظايا الأسلحة الإسرائيلية، يقول: «المستشفى استقبل آلاف الإصابات من الأطفال، وفى ظل معاناة المستشفيات من نقص حاد فى المستلزمات والأدوية بعد تدميرها، كنا نعطى الأولوية لحالات البتر والكسور المفتوحة، حيث تم تقسيم الحالات وفقاً للأولوية الطبية بهدف تقليل حالات البتر قدر الإمكان».
معاناة نفسية
إضافة إلى جروح الأطفال، فإن معاناتهم النفسية تفوق الخيال، حسب الدكتور عبدالله الجمل، مدير مستشفى الطب النفسى فى غزة، حيث قال إن الآلاف من أطفال غزة يعانون من اضطرابات نفسية نتيجة مشاهد الحرب، مضيفاً أنه خلال فترة الحرب كان الأطباء النفسيون يحاولون التخفيف من وطأة آلام الأطفال من خلال جلسات الإرشاد النفسى، سواء للأطباء أو المتطوعين، ورغم تضرّر مبنى المستشفى كحال كل مبانى القطاع الطبى، فإن الأطباء يمارسون عملهم فى مقر مؤقت: «المستشفى يستقبل مئات الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية يومياً، ولم يعد طلب الدعم النفسى أمراً محرجاً، بل أصبح حاجة طبيعية يتقبلها المرضى حيث تتلاشى الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسى».
دراسة تكشف: 96 % من أطفال القطاع يعانون أزمات نفسية حادة و49 % يتمنون الموت
تقارير الهلال الأحمر الفلسطينى أوضحت أن أطفال غزة يعانون من اضطرابات متزايدة، بينها سلس البول وصعوبة فى التركيز، بحسب تصريحات صحفية لرائد النمس، المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطينى، بينما كشفت دراسة أجراها مركز التدريب المجتمعى وإدارة الأزمات الفلسطينى، المتخصص فى الصحة النفسية فى قطاع غزة، مع 504 أسر، أن 96% من أطفال القطاع يعانون من أزمات نفسية حادة، و87% يظهرون خوفاً شديداً، بينما يعانى 79% منهم من الكوابيس، و92% لا يتقبلون الواقع، و73% أصبحوا يُظهرون سلوكاً عدوانياً، بينما 49% من الأطفال يتمنون الموت بسبب المشاهد المؤلمة التى تعرضوا لها.
الشقيقتان ماريا وأنسام ريحان، 11 و8 أعوام، كانتا شاهدتين على أوجاع حرب تركت وجعاً لا يُحتمل، فقد فقدتا عائلتهما بالكامل فى غارة إسرائيلية على منزلهما فى جباليا شمال قطاع غزة، وأصيبت ماريا وفقدت عينها اليسرى، كما استقرت شظية قرب قلبها، بينما تعانى شقيقتها أنسام من بتر إحدى ساقيها، بالإضافة إلى شظية فى الجمجمة.
«يونيسف»: 1.2 مليون طفل يحتاجون دعماً نفسياً واجتماعياً بعد الحرب مقابل 500 ألف قبلها.. ودعمنا 155 ألف طفل وجمعنا شمل 570 بأسرهم
تقول «ماريا»: «كنا قاعدين فى بيت خالى، ولما حصل هجوم قريب رجعنا على بيتنا بعد ما عرفنا إن الاستهداف بعيد، أول ما وصلنا صار الانفجار اللى قتل أهلى كلهم، أبوى وأمى وأخويا وأختى وعدد آخر من أفراد أسرتى، فقدت عينى الشمال بالكامل، واليمين فيها شظايا».
عبدالله راشد، أحد أقارب الطفلتين، قال إنهما بعد إصابتهما واستشهاد عائلتهما عاشتا فترة فى مستشفى العودة، ثم انتقلتا للعيش مع العائلة، لكنهما لا تزالان تعانيان من حروق وشظايا فى أماكن متفرقة من الجسد، وتحتاجان إلى إخلاء طبى عاجل: «أنسام عندها شظايا فى الجمجمة، وماريا فقدت عينها اليسرى وتحتاج لإنقاذ الأخرى، وما فيه خدمات طبية كافية فى المستشفيات، حتى الشاش والمستلزمات مش موجودة، ولما بنروح نغيّر على الجروح ما بنلاقى شى».
تتذكر «ماريا» حياتها قبل حرب غزة فى السابع من أكتوبر 2023، حين كانت تلعب وتجرى وتذهب إلى مدرستها، قبل أن تتحول حياتها إلى كابوس خلال الحرب: «كنا بنلعب ونروح المدرسة ندرس ونجتهد، بس الحرب حرمتنى أكمل حلمى، اليوم بتمنى أصير طبيبة عيون حتى أعالج الأطفال اللى فقدوا بصرهم، ونفسى أرجع أشوف، ونفسى أختى تعمل العملية ويشيلوا الشظايا من راسها، وأناشد العالم كله إنه يطلعنى أتعالج بره غزة».
إخلاء عاجل
إحصاء وزارة الصحة الفلسطينية قال إن هناك 1102 طفل مبتورين بساق واحدة من أصل 6000 حالة بتر مسجلة بحاجة إلى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد، وتقدر نسبة الأطفال من إجمالى عدد حالات البتر بـ25% من أصل 44 ألفاً و142 طفلاً مصاباً.
يأتى هذا فى حين يحتاج 5580 طفلاً إلى الإخلاء الطبى العاجل، فى ظل انهيار المنظومة الطبية ونقص الإمكانيات والأجهزة المساندة، فيما تحاول مؤسسات إنقاذ الطفل المختلفة إيجاد حلول لتقديم الخدمات لهؤلاء الأطفال الأيتام الجرحى، بينها مؤسسة إنقاذ الطفل التى قدمت خدمات لنحو 6 آلاف طفل يتيم.
وتقول نسرين أحمد داود، مدير إدارة الحالات بالمؤسسة: «منذ بداية الحرب أنشأنا ما يُسمى بقسم إدارة الحالة، المختص بإدارة حالة الطفل بشكل عام وبمعايير لتحديد الفئة المستهدفة فى ظل الاحتياج الكبير».
وتشمل معايير اختيار الأطفال لرعايتهم، بحسب نسرين أحمد، الأطفال المصابين بإعاقات، الأطفال الذين خرجوا من السجون الإسرائيلية، والذين فقدوا الوالدين «الناجى الوحيد»، إضافة إلى الأطفال المنفصلين عن أهاليهم، وهم «الأطفال الذين انفصلوا عن أحد الوالدين أو كليهما ولا يعرفون ما إذا كانوا أحياء أو أموات»، وغير المصحوبين «هم الأطفال الذين انفصلوا عن كل من والديهم ولا يوجد شخص بالغ آخر مسئول قانونياً أو عرفياً عن رعايتهم ويقيمون لدى أسر لا يعرفونها»، فضلاً عن الأطفال الذين تعرضوا للعنف بشكل عام، حيث يتم عمل دراسة وتقييم شامل للحالة منذ استقبالها لتحديد الخدمات التى يحتاجها ونوعيتها ووضع خطة مع مقدمى الرعاية.
مدير «الإدارة العامة للطفولة»: نتبنى منظومة لحماية الأطفال
وأضافت مدير إدارة الحالات: «نحاول تخفيف معاناة الأطفال وتقديم الدعم النفسى والخدمات الطبية بالتنسيق مع اليونيسف والصليب الأحمر، إضافة إلى محاولة لم شمل الأطفال بأهاليهم المفقودين أثناء النزوح أو القصف، ونوفر الأدوية والملابس والأغذية، ويجب أن تظل الحالة لدينا مدة 3 أشهر لتقديم الدعم اللازم، فى ظل نقص الخدمات وصعوبة التنقل بين المخيمات».
استهداف صاروخي مباشر
مدير مستشفى الأطفال فى مجمع ناصر الطبى، الدكتور أحمد الفرا، قال إن نقص الإمكانيات الطبية والأدوات المساندة يزيد من معاناة الأطفال الجرحى، وإن الكثير من الإصابات كانت مباشرة من خلال استهداف صاروخى مباشر، وبعضها من خلال الشظايا التى تسببها الصواريخ، فضلاً عن إصابات بسبب أماكن سقوط الصواريخ، إذ إن معظم سكان غزة كانوا فى حالة نزوح ولم تكن هناك منازل محصنة. كما سُجلت إصابات مباشرة بالقنص والطلق النارى والطلقات الطائشة والعشوائية للأطفال فى الخيام والمدارس، وتعددت أنواع الإصابات حسب شدتها وخطورتها.
وأضاف «الفرا»: «هناك نسبة كبيرة من الأطفال كانت إصابتهم فى الجزء العلوى من الجسد، مثل الرأس والبطن والصدر، بينما هناك إصابات فى الأطراف السفلية وتعرضهم للبتر، لذلك فهناك حاجة مُلحة إلى خدمات التأهيل والدعم النفسى والاجتماعى، خاصة للأطفال الذين وجدوا أنفسهم يواجهون إعاقات دائمة فى سن مبكرة، وعلى المنظمات الدولية والإنسانية والمؤسسات العاملة فى مجال الصحة والتأهيل أن تكثف جهودها وتوسع تدخلاتها العاجلة لتغطية احتياجات الجرحى وتمكينهم من الحصول على الرعاية اللازمة بما يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية التى يعيشها قطاع غزة».
وبحسب الجهاز المركزى للإحصاء الفلسطينى، فإن الاحتلال الإسرائيلى دمر 94% من إجمالى عدد مستشفيات قطاع غزة الـ213، حيث جرى تدمير 71 مستشفى كلياً، وتعرضت 36 مستشفى لتدمير شديد، و104 مستشفيات لتهدم متوسط، بينما تعمل نحو 17 مستشفى بشكل جزئى، فيما تعجز وزارة الصحة عن إعادة بناء 25 مستشفى و103 مراكز صحية للرعاية الأولية، أو توفير الدواء والمستلزمات الطبية والأجهزة الطبية، ما يفاقم معاناة المرضى، خاصة الأطفال، بينما وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 686 استهدافاً مباشراً للمرافق الصحية، ما يمثل خرقاً صارخاً لاتفاقيات جنيف.
الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية، قال إن المنظومة الصحية لم تشهد تحسناً منذ وقف إطلاق النار فى أكتوبر 2025، وإن إعادة بناء النظام الصحى فى غزة يحتاج إلى 7 مليارات دولار، فضلاً عن أن الاحتلال الإسرائيلى يتعمد حالياً منع دخول المواد اللازمة لإعادة بناء المنظومة الصحية ومستلزمات غرف العمليات والطوارئ وعلاجات الأمراض المزمنة والأطفال، عبر المؤسسات الدولية والهيئات الأممية.
«سمر» فقدت عائلتها
فى الرابع من ديسمبر 2023، فقدت سمر والديها فى استهداف غارة إسرائيلية لمنزلها شمال غزة، وأصيب أشقاؤها الخمسة بإصابات بالغة تحتاج إلى إخلاء طبى، منذ ذلك اليوم تحملت الصغيرة البالغة من العمر 16 عاماً مسئولية من تبقى من أسرتها، وشهدت رحلة نزوح صعبة من غزة إلى خان يونس، لكنها لم تفقد الأمل حتى الآن فى العثور على والدتها: «لا يزال مصيرنا مجهولاً بعد فقد عائلتى، نزحت من غزة إلى خان يونس مع إخوتى رغم إصاباتنا وأصبحت مسئولة عنهم، ينادوننى بماما، أُصبت أنا بشظية فى ظهرى، وشقيقى بجروح خطيرة وفقد إحدى قدميه، بينما أصيبت شقيقتى بحروق من الدرجة الثالثة، ولم نجد علاجاً ولا مستلزمات لتضميد جراحنا».
«سمر» وأشقاؤها يعيشون جميعاً الآن فى خان يونس مع شقيقتهم الكبرى التى فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، وهم يحتاجون جميعاً إلى تدخل طبى ودعم نفسى، وتحلم الطفلة بعلاج إخوتها من الإصابات: «كنا فى منزلنا واستهدفنا الاحتلال بغارة أودت بحياة عدد من أفراد أسرتى، وأصيب إخوتى الخمسة بجروح خطيرة، وكل حلمى التعافى وتوفير حياة آدمية لنا»، وبحسب منظمة اليونيسف، فإن هناك أكثر من 155 ألف طفل يتلقون دعماً نفسياً، فضلاً عن توفير الخدمات الطارئة اللازمة لمن يحتاج، إضافة إلى لم شمل 570 طفلاً بأسرهم.
«جوان» فقدت عينها اليسرى
ورغم محاولة المنظمات والمؤسسات المختلفة لم شمل الأسر المنفصلة، فإن آلاف الأطفال فى غزة أصبحوا أيتاماً لا يعرفون أين يعيشون أو أين يتلقون العلاج، بينهم جوان باسل محمد أبوالروس، البالغة من العمر 7 أعوام، التى ينطبق عليها مصطلح «طفل جريح بلا عائلة»، وهى طفلة من بين 20 ألفاً و966 طفلاً فقدوا عائلاتهم بالكامل، فقد نجت وحدها من أسرتها، لكنها فقدت عينها اليسرى إثر تعرض منزلها فى رفح للقصف الصاروخى، فضلاً عن وجود ضمور فى كرة العين وجرح نافذ بالعين.
هذا ما يؤكده تقرير طبى صادر عن الدكتور سامى حسين أبوعطوان، استشارى جراحة العيون بخان يونس: «فى 18 مارس 2025، استقبلت الطفلة تعانى من إصابات بالغة فى العين، فقدت عينها اليسرى تماماً، فحاولت تهدئتها بعدما فقدت كل عائلتها، واتخذت إجراءات طبية لمنع فقدان عينها اليمنى، لكنها تحتاج إلى تدخل جراحى عاجل».
لم تكن مأساة «جوان»، الناجية الوحيدة من عائلتها، كأى طفل فلسطينى، فالطفلة الصغيرة فقدت 72 شخصاً من عائلتها منذ بدء الحرب الغاشمة على أهالى غزة، ونزحت من وسط القطاع إلى خان يونس ثم إلى رفح، ولاحقتها نيران قوات الاحتلال التى استهدفت أكثر من مليون طفل، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، ولا تزال تعانى من صدمات واضطرابات نفسية عميقة بعدما استشهدت أسرتها أمامها، ولا تتذكر سوى تلك المشاهد الدامية، بحسب الدكتور محمد أبوسلمية، استشارى طب الأطفال بمجمع الشفاء الطبى.
يقول أبوسلمية: «أتابع حالة جوان مثلما أتابع غيرها من آلاف الأطفال، إلا أن هناك حالات تجعلك تتوقف كثيراً، تذكرك ببشاعة ما قام به الاحتلال من انتهاكات فى حق أطفال قُصّر، اغتالوا طفولتهم وبراءتهم، وتركوا هؤلاء الصغار يعانون من اضطرابات ربما تؤثر عليهم ما تبقى من عمرهم، جوان تعانى من فقدان كامل للنظر فى عينها اليسرى وتمزق كرة العين، وتحتاج إلى استئصال بقية العين وإعادة ترميم تجميلى وتركيب عين صناعية، وهو ما لم يتوفر بسبب نقص الإمكانيات فى القطاع».
والدة أحد الأطفال الأيتام: «زين فقد والده وشقيقه ومعظم أصدقائه»
وبحسب إحصاء صادر عن وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، يقدر عدد الأطفال المنفصلين أو غير المصحوبين فى غزة بنحو 39 ألف طفل، وقال مدير عام الإدارة العامة للطفولة، محمد القرم، إن الوزارة تتبنى منظومة وطنية لحماية الأطفال، من بينها تقديم خدمات شاملة تشمل الإيواء والتعليم والدعم النفسى ومحاولة لم شمل الأسر، داعياً المجتمع الدولى إلى تحمل مسئولياته تجاه الأطفال الفلسطينيين فى ظل ما يواجهونه من آثار العدوان.
ورغم جهود الوزارة، فإن الأطفال المنفصلين لا يزالون يعانون من آلام الفقد، بينهم الطفل مجدى أبوعودة، الذى فقد والده وانفصل عن والدته وشقيقته فى أغسطس 2024، إثر هجوم إسرائيلى على مجمع ناصر الطبى، كما أصيب ببتر ساقه اليمنى.
«مجدي» فقد والده وبُترت ساقه
الطفل مجدى لا يزال يعانى من آثار نفسية شديدة، إذ يعيش فى معهد الأمل للأيتام، ويحتاج إلى طرف صناعى، بحسب نضال جرادة، المدير التنفيذى للمعهد، الذى يؤكد أن خدمة كفالة اليتيم تواجه تحديات كثيرة فى ظل تزايد أعداد الأطفال الجرحى الأيتام والنازحين، بعدما تحول المعهد إلى مركز إيواء على مدار عامين.
مدير مستشفى الطب النفسى بغزة : نستقبل يومياً مئات الأطفال يعانون من اضطرابات ..وطلب الدعم النفسى
يقول «جرادة»: «نحاول تقديم المزيد من الخدمات كمركز إيواء ودعم نفسى وتوزيع المساعدات، سواء النقدية أو العينية أو الملابس على هؤلاء، فضلاً عن محاولة التخفيف من وطأة الحرب داخل مخيمات النازحين من خلال إعداد أنشطة ترفيهية وخدمات لهم».
ويضيف المدير التنفيذى للمعهد: «تحديات كثيرة تواجهها مؤسسات حماية وإنقاذ الطفل الفلسطينى، تتمثل فى نقص الإمكانيات وتلبية الاحتياجات، إلا أن بعضها لا يزال يحاول لم شمل الأسر بأطفالهم غير المصحوبين، بينها اليونيسف التى قدمت الدعم النفسى والاجتماعى لأكثر من 40 ألف طفل، إذ تشير تقديراتها إلى نحو 17 ألف طفل منفصلين عن ذويهم بينهم الطفل زين عبدربه، الذى التقى بوالدته بعد عدة أشهر من الانفصال: «كنا فى رحلة نزوح بعد تدمير بيتنا فى غزة، وأثناء سيرنا فى الطريق ضرب علينا الاحتلال صواريخ، فمات والدى وفقدت والدتى، وأُصبت بشظية فى ظهرى».
«زين»، الطفل اليتيم الذى التقطه أحد المتطوعين فى منظمة اليونيسف (طلب عدم ذكر اسمه لعدم التصريح له بالحديث)، واصطحبه إلى مخيم فى خان يونس، لا يزال يعانى من آثار نفسية حادة رغم لمّ شمله مع والدته سارة أبورامية: «زين فقد والده وشقيقه، وغيابى عنه لأشهر أثّر على نفسيته، لكننى أحاول تقديم الدعم النفسى له ليتجاوز ما مرّ به من أحداث دامية، إذ فقد معظم أصدقائه وجيرانه أيضاً خلال الحرب على غزة، لا يزال ينادى على والده وشقيقه وصديقه محمود، ويعانى من اضطرابات ما بعد الصدمة وكوابيس خلال ساعات نومه القليلة وعزلة واكتئاب».
إسرائيل تستهدف الأطفال
إلى جانب الآثار النفسية التى يعانى منها أطفال غزة الأيتام، فإن مصير الأطفال غير المصحوبين لا يزال مجهولاً فى ظل عدم احترام إسرائيل لقوانين حماية الطفل واتفاقيات جنيف واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989، بحسب المحامية الفلسطينية سوسن صلاحات، مسئولة البرنامج القانونى فى الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال: «هناك عجز فى المنظومة القانونية الدولية فى حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، رغم وضوح النصوص فى اتفاقيات جينيف واتفاقية حقوق الطفل، ولم يتمكن المجتمع الدولى من إلزام إسرائيل باحترام أى من التزاماتها القانونية».
وبحسب المحامية سوسن صلاحات، فإن هناك فجوة كبيرة فى حماية المدنيين، خاصة الأطفال، رغم وضوح القوانين الدولية واتفاقيات حقوق الطفل، ولتجاوز هذا الخلل، تم تطوير مجموعة من الإرشادات العملية التى تساعد على تطبيق هذه القوانين بشكل فعّال فى فلسطين، بما يتوافق مع الظروف المحلية، كما تم إنشاء نظام إلكترونى بالتعاون مع اليونيسف ووزارة التنمية الاجتماعية لتسجيل الإبلاغ عن الأطفال غير المصحوبين ورصد جرائم الحرب بحقهم، حيث يمكّن هذا النظام العاملين الميدانيين والأطباء من توثيق كل حالة بدقة لنتمكن من رفعها إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان محاسبة المسئولين.
ولفتت إلى أن الحرب كشفت عن هشاشة القانون الدولى والقانون الدولى الإنسانى، إذ لم يتم إلزام إسرائيل بحماية الأطفال، خاصة فى ظل عجز منظومة الأمم المتحدة عن إدخال المساعدات إلى غزة، ما أدى إلى حرمان الأطفال من العلاج والتغذية، وهذا هو التطبيق على أرض الواقع.
موقف القانون الدولي
وتنص المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989 على أن تتعهد الدول الأطراف بأن تحترم قواعد القانون الإنسانى الدولى المنطبقة عليها فى المنازعات المسلحة وذات الصلة بالطفل، وأن تضمن احترام هذه القواعد، وأن تتخذ الدول الأطراف، وفقاً لالتزاماتها بمقتضى القانون الإنسانى الدولى بحماية السكان المدنيين فى المنازعات المسلحة، جميع التدابير الممكنة عملياً لكى تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح، إلا أن هذا لم يتحقق بحسب المحامية الفلسطينية.
كما تنص المادة 39 من نفس الاتفاقية على أن تتخذ الدول الأطراف كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدنى والنفسى وإعادة الاندماج الاجتماعى للطفل الذى يقع ضحية أى شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة أو التعذيب أو أى شكل آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو المنازعات المسلحة، ويُجرى هذا التأهيل وإعادة الاندماج فى بيئة تعزز صحة الطفل واحترامه لذاته وكرامته.
ودعت «صلاحات» إلى ضرورة حماية الأطفال فى غزة، معتبرة أن ذلك مسئولية وطنية ودولية وأخلاقية مشتركة، فضلاً عن حماية مؤسسات الطفل التى تعرضت للتدمير بشكل كامل مما ساهم فى تفاقم أزمة الأطفال الأيتام والجرحى: «لا بد أن يتم إعادة تطوير التشريعات الدولية لتحمى هؤلاء الأطفال الذين استهدفهم الاحتلال الإسرائيلى على مدار عامين كاملين، فهناك آلاف الأطفال يعيشون لدى أسر غير أسرهم، وهو ما يعد انتهاكاً لخصوصية الطفل».
1٫2 مليون طفل يحتاجون للدعم
وتشير الأرقام الصادرة من منظمة اليونيسف إلى أنه مقارنة بنحو 500 ألف طفل كانوا يعانون من آثار نفسية ويحتاجون إلى التأهيل قبل بدء الحرب فى 2023، فإنه منذ الحرب وحتى الآن يحتاج أكثر من مليون و200 ألف طفل إلى الدعم النفسى والاجتماعى، إذ يعانى أطفال غزة نتيجة التعرض للصدمات أو ما يعرف بـ«صدمة الحرب» من خوف وعصبية وتشنجات وتبول ليلى وقلق مستمر، وضعف الإدراك والذاكرة، والانفصال عن الواقع، ما يجعلهم غير قادرين على التأقلم والتكيف، فضلاً عن العواقب طويلة الأمد على الصحة العقلية والنفسية لدى الشخص، إذ من المتوقع أن يعانون من اكتئاب شديد ورهاب.
وبحسب الأخصائية النفسية المتطوعة فى الهلال الأحمر الفلسطينى، نيفين على، فإن آلاف الأطفال الأيتام يعيشون فى صدمات بسبب الحرب على غزة، ويعانون من اضطراب كرب ما بعد الصدمة، وهو حالة صحية نفسية تحدث بعد التعرض لحدث صادم، ويتميز بأعراض مستمرة مثل استرجاع الذكريات المؤلمة، والأرق، وتجنب كل ما يذكر بالصدمة، وهذه الأعراض تؤثر بشكل كبير على الحياة اليومية للشخص وتتضمن أفكاراً وسلوكيات سلبية مثل التهيج، العزلة، وصعوبة التركيز، بحسب تعريف الكلية الملكية للأطباء النفسيين فى المملكة المتحدة.
وقالت الأخصائية النفسية إن الأطفال يفتقدون الأمان النفسى والعلاقات الأسرية السليمة نتيجة فقدان عائلاتهم وبيوتهم والوطن الذى ينتمون إليه، وهو ما يتطلب تضافر الجهود الرسمية والمنظمات من أجل إعادة تأهيل الأطفال وضرورة التكيف مع الاحتياجات الناشئة على أرض الواقع، سواء باستخدام الفن وحرية التعبير وتقنيات الاسترخاء واللعب، وورش عمل الدعم النفسى والاجتماعى لتجاوز الصدمة والألم وإدارة المشاعر.
وأخيراً، فإنه بعد عامين من الحرب على غزة، وبحسب البيانات التى وثقتها المنظمات الدولية، فإن أوضاع الأطفال الجرحى والأيتام فى غزة تتطلب تدخلاً عاجلاً، خاصة فى ظل التدمير الواسع للمستشفيات ونقص خدمات التأهيل والأطراف الصناعية، وارتفاع أعداد الأطفال الجرحى والأيتام وغير المصحوبين، وتشير هذه الجهات إلى أن استمرار هذه الفجوة الإنسانية يهدد مستقبل آلاف الأطفال، ويجعلهم أكثر هشاشة أمام صدمات الحياة، ما يستوجب توفير دعم طبى ونفسى وتعليمى مستدام، باعتبار حماية هؤلاء الأطفال التزاماً قانونياً وإنسانياً يجب أن يتحرك المجتمع الدولى بأكمله لتنفيذه دون تأخير، فصوتهم يحتاج لمن يسمعه، ووجودهم يحتاج لمن يراه.

