الضربة الأمريكية للإخوان وتأثيرها الدولي

بقلم: ثروت الخرباوى كتب: محرر

  الضربة الأمريكية للإخوان وتأثيرها الدولي

الضربة الأمريكية للإخوان وتأثيرها الدولي

عندما أعلنت الإدارة الأمريكية عزمها على إدراج فروع من جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب، بدا كأن صفحة جديدة تُطوى فى كتاب ظلت صفحاته تُكتب بالحبر السرى لسنين طويلة، فجأة ظهر أن العالم يتجه نحو إعادة رسم خرائط النفوذ غير المرئى، وأن الشبكة التى بنتها الجماعة ببطء وصبر عبر القارات، معتمدة على تدفقات مالية شديدة الغموض، تستعد لدخول نفق من التضييق لم تعرفه منذ نشأتها الحديثة، فهذه الحركة، على تشتتها الجغرافى وتشابك خلاياها، لم تكن يوماً مجرد تنظيم أيديولوجى، بل كانت -قبل ذلك وبعده- اقتصاداً موازياً، ينمو فى الظلام ويتمدد عبر خطوط التبرعات الصغيرة، التى تُرفع تحت لافتات الإغاثة ورايات الإسلام، وتتصل بشبكات رجال الأعمال والجمعيات الخيرية، التى تتخذ من الأعمال الإنسانية معبراً لمقاصد أخرى.

لقد نجحت الجماعة، بحس نافذ فى قراءة الوجدان العام، وفى تحويل الشعارات الأخلاقية إلى بوابات مالية مفتوحة، فلسطين، الإغاثة، مساعدة المنكوبين. كلمات تُلامس الضمير، لكنها تُستخدم لتكوين رأسمال معنوى يساعد على جمع المال، ثم إعادة تدويره فى مسارات يصعب رصدها، حيث تختلط النية بالذريعة، والغاية بالغطاء، ويمتزج العمل الخيرى بالتحرك السياسى والدعوى والإعلامى، وهكذا ظلت موارد التنظيم تتحرك فى منطقة رمادية، تتسع كلما غاب التدقيق المالى، وتضيق كلما اقترب الضوء من مساراتها المشبوهة.

غير أن القرار الأمريكى التنفيذى الأخير لا يكتفى بكونه مجرد تصنيف على الورق، فهو يحمل فى طياته رسالة سياسية واقتصادية لا تقل وزناً عن الإعلان نفسه. فالولايات المتحدة لم تكتفِ بإطلاق بيان، بل شرعت فى تفعيل سلسلة من الإجراءات المحكمة، تحت إشراف وزارتى الخارجية والخزانة، تشمل تجميد الأصول وحظر أى تعامل مصرفى، وملاحقة كل جهة أو فرد يسعى لتقديم دعم مالى أو لوجيستى للفروع المدرجة، وفى هذا السياق، تصبح المصادر التى اعتاد التنظيم التحرك من خلالها -البنوك، المنظمات غير الربحية، التحويلات الصغيرة عبر قنوات مالية- تحت مراقبة صارمة، معرضة للعقوبات المباشرة، ومقيدة الحركة.

وقد أظهرت التجارب السابقة أن التنظيمات التى تُوضع تحت ضغط مالى من هذا النوع تفقد تدريجياً قدرتها على التمويل المنتظم، وتتراجع قدرتها على إدارة الحملات الإعلامية، ويضعف دعمها للشبكات الخارجية. وهذا، بدوره، يخلق بيئة تحد من حركة التنظيم، وتضعف أدواته فى التجنيد، وتحد من تأثيره السياسى فى ساحات عديدة، فالضوء الذى يُسلط على المال ليس مجرد رقابة تقنية، بل أداة سياسية تكشف عن البنية المالية التى تقوم عليها الحركة، وتضع قيوداً على مسارها العملى.

ومن الواضح أن تجفيف منابع التمويل يمثل سلاحاً حاسماً، فعندما تفقد الجماعة على مستوى تنظيمها الدولى، القدرة على التحويل البنكى، وتصبح الجمعيات الخيرية التابعة لها والمنتشرة فى أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا، خاضعة لتدقيق أقوى، ورقابة أشد على قنوات الحوالات غير الرسمية، فتصبح الحركة أقل قدرة على الحركة وأكثر هشاشة تنظيمياً.

ولا شك أن هذه الضربات المالية، إذا تزامنت مع تعاون استخباراتى وتشديد قانونى، ستربك التنظيم وتدفعه إلى الانكماش، وربما تدفع بعض شبكاته المحلية إلى التفكك لصالح العمل الفردى أو اللامركزى.

ومع ذلك، يبقى الخطر كامناً فى قدرة التنظيم على التحول إلى مسارات تمويل أقل قابلية للتتبع، مثل العملات المشفرة، أو الاعتماد على تبرعات صغيرة ومتكررة يصعب رصدها، أو اللجوء إلى شبكات تقليدية كالحوالات التى تعمل خارج النظام المصرفى.

ومن الطبيعى أن القرار الأمريكى لن يمر دون أصداء. فقد تلتقط بعض الدول الأوروبية الإشارة وتبدأ فى مراجعة علاقتها بالشبكات المرتبطة بالإخوان، لكن أوروبا لا تتصرف ككتلة واحدة، إذ تفرض حساسياتها السياسية والحقوقية مساراً أبطأ مما هو قائم فى واشنطن. ومع ذلك، يمكن أن يفتح الضغط الأمريكى الباب أمام تحركات أوروبية انتقائية، أو أمام تشديدات مالية على جمعيات وشبكات محددة، أو على الأقل أمام إعادة تقييم مصادر الأموال القادمة من الخارج. وإذا اتسعت الدائرة، ستجد الجماعة نفسها محاصرة فى بيئة دولية أقل تسامحاً بكثير، وتجد صعوبة أكبر فى الحفاظ على حضور سياسى وإعلامى داخل العواصم الغربية.

ومع أن تاريخ التنظيم يظهر قدرته على التكيف مع الأزمات، لكنه يعجز أمام الضغوط المالية الممتدة. فلا تكفل الأيديولوجيا وحدها استمراره، ولا يغنى الوجود الشعبى أو الخطابى عن المال الذى يحفظ البنى التنظيمية ويغذى النشاطات والواجهات. وعندما تتقلص السيولة، تتقلص معها القدرة على التجنيد وإدارة الحملات وصناعة التأثير السياسى. وحتى الخطاب الذى يلوح بالإغاثة والإنسانية يفقد زخمه حين تخضع الجمعيات لرقابة مشددة وتتحول التحويلات إلى مخاطرة قانونية.

ويبدو المشهد، فى مجمله، مشهداً لضربة مالية أمريكية تطال شبكات الإخوان، مع احتمال أن ترتد آثارها على الساحة الأوروبية، ومعركة قادمة على مستوى تتبع التحويلات والجمعيات والواجهات الخيرية، بينما يحاول التنظيم الهروب إلى مسارات أقل شفافية وأكثر سرية. ولا يحدد النتيجة النهائية القرار وحده، بل تحددها قدرة المجتمع الدولى على تجفيف منابع التمويل بصرامة، من غير خلط بين العمل الإنسانى الشرعى والعمل السياسى أو الأيديولوجى الذى يتخفّى خلفه التنظيم منذ سنوات.