لأنها دولة التلاوة

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

أحب الناس برنامج دولة التلاوة، لأنه أعاد إليهم شيئاً افتقدوه طويلاً، وهو أن يجتمعوا حول القرآن بروح الجمال والسكينة، لا بروح التدين الشكلى والخطاب الصادم، ووجدوا فى البرنامج صوتاً مصرياً أصيلاً يعيدهم إلى مدرسة القراء العظام التى ارتبطت بوجدانهم وذاكرتهم، مدرسة القراء الأكابر أمثال رفعت والشعشاعى ومصطفى إسماعيل والمنشاوى وزاهر، رأينا كيف جمع البرنامج الأطفال والكبار والصغار فى مشهد واحد يفيض بالموهبة والنقاء والذائقة والجمال، وأعاد إليهم الثقة فى النموذج المصرى الأصيل، ولأنه منحهم مساحة وجدانية يتذوقون فيها القرآن.

والبرنامج يهدم البنية النفسية والفكرية التى تقوم عليها جماعات التطرف، لأن خطابهم يقوم على الصدام والتشويش وخلق حالة نفسية مشحونة، حيث يظهر التدين كأنه منبع للغضب والجدل والتبديع والقطيعة، هذه الجماعات تعلم أن دولة التلاوة تعيد لمدرسة الأداء المصرى مكانتها، وتعيد للناس عشق القرآن بصوت صافٍ وطريقة راقية، فالبرنامج يعيد تشكيل الذائقة العامة ويجعل الناس تأنس بصوت القرآن.

القضية كلها تتمثل فى (دولة التلاوة)، حيث بذلوا مجهودات كبيرة للتحريض والتهييج بأنها دولة الحرب على الدين والإسلام، دولة التلاوة تنسف نسفاً تاماً فكرة الحاكمية وفكرة أنها الدولة التى تحارب الدين، تلك الفكرة التى كانت أساساً فى التجنيد والاستقطاب، فالبرنامج يظهر أن مصر فى قلب التلاوة وواجهة العالم الإسلامى، ويبرز قيمة المدرسة المصرية، وهذا يتعارض مع مشروع الجماعات التى تبنى وجودها على تشويه كل ما هو مصرى وأزهرى لتقديم نفسها كبديل.

لقد أجرت مجلة (المصور) حواراً مع الشيخ الشعراوى نُشِر فى حياته، قال فيه: «إن أتباع الجماعات الدينية لا يسمعون الإسلام إلا من حناجرهم، إن قام واحد ليقول فى الإسلام وليس منهم فلا يسمعون حديثه» (المصدر: مجلة المصور، العدد رقم 2996، بتاريخ 12 مارس، سنة 1980م، مجلة الدعوة، العدد العشرون، السنة 26).

فالشيخ الشعراوى فى هذه العبارة يقدم تشخيصاً بالغ الدقة لطبيعة التكوين النفسى والفكرى لأتباع الجماعات الدينية المتشددة.

فحين يقول فضيلة الشيخ الشعراوى: «إن أتباع الجماعات الدينية لا يسمعون الإسلام إلا من حناجرهم»، فهو يقصد أن هؤلاء لا يعترفون إلا بفهمهم هم للدين، ولا يتقبلون أى تفسير أو اجتهاد أو رؤية تختلف عما تعودوا عليه، فالإسلام بالنسبة لهم ليس ديناً رحباً مفتوحاً على الاجتهاد والتنوع، بل هو ما تقوله جماعتهم فقط، وأدبياتها وإعلامها، وهنا يكمن الخطر: تحويل الجماعة إلى معيار للحقيقة، وتحويل كلام قادتها إلى «النص الوحيد» الصحيح، واختزال التدين فيهم.

ثم يضيف الشعراوى: «إن قام واحد ليقول فى الإسلام وليس منهم فلا يسمعون حديثه»، وهى إشارة واضحة إلى الانغلاق الفكرى الذى يحول هذه الجماعات إلى بيئة طاردة لكل رأى مختلف، مهما كان صاحبه عالماً أو خبيراً أو ناصحاً، فمجرد أن المتكلم «ليس منهم» كافٍ لإسقاط قوله دون فحص أو فهم، وهذا يعكس حالة من التعصب الجماعى، تجعل الولاء للجماعة مقدماً على الولاء للحق، وتجعل الانتماء بديلاً عن المعرفة، وتجعل الرأى الصحيح محكوماً بصاحبه لا بمضمونه.

إنه عقل مغلق، وأذن لا تسمع إلا ما تحب، ونفس لا ترى الحق إلا فى مرآتها، هذا النمط من التفكير هو الأرض الخصبة للتطرف، لأنه يلغى الآخر، ويحتقر المختلف، ويرفض الحوار، ويزرع فى أتباعه شعوراً بالاحتكار، احتكار الفهم، واحتكار النجاة، واحتكار الطريق إلى الله، واحتكار الحق، منهج يقتل التفكير، ويغلق باب الاجتهاد، ويختزل الإسلام فى جماعة، ويحرم أتباعه من نور التنوع وسعة الفهم، ويصنع بذلك بيئة خصبة للعنف الفكرى ثم السلوكى.

بقى ملاحظة عابرة تتعلق بما يقوله بعض الناس من أنه كان من المفترض فى برنامج دولة التلاوة أن يتنافس الأطفال مع بعضهم، والكبار مع بعضهم، لأن الفكرة هى أن فكرة دولة التلاوة فى جوهرها تقوم على الإبداع لا على المكسب والخسارة، فالهدف ليس البحث عن فائز ومهزوم، بل إظهار جمال الأداء وروح القرآن، وكل المشاركين فى النهاية حافظون متميزون وأصحاب أصوات ماهرة.

أما المسابقة العالمية التى تقيمها وزارة الأوقاف فهى التى تعتمد على تقسيم الفروع، فهناك فرع للكبار، وفرع للصغار، وفرع للأئمة، وفرع لغير الأزهريين، وفرع لغير المصريين، وفرع للحفظ مع التفسير، وآخر للحفظ دون تفسير، وفرع لغير الحاصلين على مؤهل عالٍ، وغيرها من الفروع. وهذا التنوع يمنح المسابقة جمالها الخاص، وعدم وجود تقسيم فى دولة التلاوة يمنح البرنامج جمالاً، لأنه يتيح مساحة واسعة لعرض المواهب المختلفة دون قيود عمرية أو تصنيفية، وهكذا يكمل كل مشروع الآخر.