ترخيص صناع المحتوى..!
لم تكن قصة الشباب الذين ظهروا فى فيديو «تحليل المياه المعدنية» مجرد واقعة عابرة، بل كانت مرآة تعكس حجم الفوضى التى نعيشها فى هذا الفضاء المفتوح.
بدأ الأمر حين نشر مجموعة من الشباب -من صُنّاع المحتوى المعروفين على مواقع التواصل الاجتماعى- فيديو يقومون فيه بتحليل عينات من المياه المعدنية فى السوق، وخرجوا بنتائج مثيرة بالفعل.. اتهامات بالتلوث، وفروق فى الجودة، وتشكيك فى صلاحية بعض العلامات التجارية.
انتشر الفيديو بسرعة، واشتعل النقاش العام، ثم تبعه قرار بالقبض عليهم والتحقيق معهم. هنا لم يقف الجدل عند حدود الفيديو، بل انفتح على سؤال أعمق: هل الخطأ فى هؤلاء الشباب؟ أم فى غياب منظومة كاملة تنظّم هذا النوع من المحتوى قبل أن يصل إلى الناس؟
فيديو قصير لا يتجاوز دقائق، لكنه فجّر سؤالاً أكبر بكثير من محتواه.. كيف أصبح الكلام فى الصحة والغذاء والدواء متروكاً لأى أحد، بلا معيار مهنى أو سند علمى أو جهة تُراجع وتُحاسب؟
الحقيقة أننا نعيش فى زمن صار فيه صانع المحتوى لاعباً أساسياً فى تشكيل وعى المجتمع. آلاف الحسابات والصفحات تظهر يومياً، ومحتوى يُنشر بكثافة غير مسبوقة، دون مراجعة أو ضوابط أو حتى فهم لطبيعة التأثير.
هذا الاتساع الهائل فى التأثير لم يقابله أى اتساع فى المسئولية، فاختلت المعادلة بشكل واضح، وصار الخطر الأكبر ليس فى وجود محتوى غير دقيق.. بل فى غياب جهة تحاسب أو حتى تضع خطاً فاصلاً بين الرأى والمعلومة.
فى مصر اليوم، يستطيع أى شخص أن يلتقط هاتفه ويتحدث بثقة عن «تحليل مياه»، أو «علاج سحرى»، أو «معلومة طبية»، أو «فضيحة غذائية»، ثم يضغط زر «نشر» ليصل المحتوى إلى مئات الآلاف قبل أن تتمكن أى مؤسسة من الرد أو التحقق.
هكذا يتحول الهاتف إلى منصة إعلامية كاملة بلا قواعد، والفيديو إلى محكمة رأى عام دون قاضٍ أو قانون.
لدينا آلاف صُنّاع المحتوى بلا مظلة تنظيمية، بلا تدريب، بلا مسئولية مهنية، وبلا إدراك حقيقى لتأثير كل كلمة تُقال.
الدول التى استوعبت هذا الخطر سارعت إلى وضع قواعد واضحة.. فى الصين، لا يقترب أحد من المحتوى الصحى أو الغذائى دون تصريح رسمى.. وفى أوروبا وأمريكا، تُفرض غرامات وتعليقات ظهور وتتحرك جهات رقابية فوراً عند أى ادعاء مضلل.
أما نحن، فما زلنا فى منطقة رمادية بين فوضى بلا حدود.. ورد فعل يأتى دائماً متأخراً..!
الحل فى رأيى هو ترخيص مهنى لصُنّاع المحتوى يصدر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
ترخيص لا يقيّد الحرية، بل يحميها من الفوضى.. يمنح صاحب المحتوى هوية مهنية، ويضع على عاتقه مسئولية كل ما يقوله أمام جمهور واسع.
الترخيص سيمنح الدولة فرصة الرقابة والرصد المستمر والمقنن بالقانون.. وسيتيح فرصة للعقاب عند التجاوز أو الخطأ.. من الغرامة إلى تعليق الظهور.. بالإضافة إلى مراجعة إلزامية للمحتوى.. ووصولاً لغلق الحساب فى الحالات القصوى.
عقوبات مهنية لا جنائية.. عقوبات يقرها القانون لا مزاج الرأى العام.
القضية ليست «مياه معدنية» ولا «تريند الأسبوع».. بل إننا نسير فى طريق بلا إشارات مرور.. وغياب الإشارات لا يؤدى إلى عقاب السيارة التى عبرت.. بل يعاقب المجتمع الذى لم ينظم الطريق نفسه.
إن ترخيص صُنّاع المحتوى لم يعد رفاهية فى رأيى، بل ضرورة وطنية لحماية وعى الناس وصون معنى الكلمة فى فضاء لم يعد يحتمل الفوضى.. أو هكذا أعتقد..!