مؤسسة «غزة الإنسانية» تعلن إنهاء عملياتها في القطاع الفلسطيني
مؤسسة «غزة الإنسانية» تعلن إنهاء عملياتها في القطاع الفلسطيني
كتب: دينا أبو زهرة
فى مشهد يعكس احتدام الجدل الدولى حول مسارات الإغاثة فى قطاع غزة، أعلنت مؤسسة «غزة الإنسانية»، المدعومة أمريكياً وإسرائيلياً، إنهاء عملياتها فى القطاع الفلسطينى، وسط موجة انتقادات دولية واتهامات باستغلال المساعدات لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية، وبينما اعتبرت المؤسسة أنها نفذت واحدة من «أنجح العمليات الإنسانية فى التاريخ الحديث»، أكدت حركة «حماس» أن هذه العملية ساهمت فى مقتل آلاف الفلسطينيين، وطالبت الحركة الفلسطينية، التى تتولى إدارة قطاع غزة، بمحاسبة المؤسسة، وعدم السماح لها بالإفلات من المسئولية، فى المقابل، زعمت سلطات الاحتلال الإسرائيلى أن قوات الجيش لم تطلق النار على تجمعات الفلسطينيين أمام منافذ توزيع المساعدات، التابعة للمؤسسة، إلا لغرض تحذير الحشود، أو حماية قواتها، ونفت أن تكون متورطة بشكل مباشر فى سقوط ضحايا من الفلسطينيين خلال عمليات توزيع الإغاثة، وفى الوقت الذى تعتبر فيه واشنطن المؤسسة شريكاً أساسياً ساهم فى الوصول إلى وقف إطلاق النار، تتزايد التساؤلات حول الدور الحقيقى للمؤسسة، وكيف تحوّلت من مبادرة إغاثية مؤقتة، إلى لاعب مثير للجدل، فى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية فى العالم.
وبحسب ما نقلته صحيفة «الجارديان»، قالت «مؤسسة غزة الإنسانية»، فى بيان هذا الأسبوع، إنها أنهت مهامها «بنجاح»، بعد أن سلّمت أكثر من 187 مليون وجبة غذائية إلى سكان القطاع خلال الأشهر الماضية، ووصفت المؤسسة هذا الإنجاز بأنه «عملية إنسانية فريدة»، ضمنت، حسب وصفها، وصول المساعدات للعائلات، دون وقوعها فى قبضة «حماس» أو أى فصائل أخرى، غير أن هذا الإعلان جاء فى وقت تخضع فيه المؤسسة لحملة تشكيك واسعة النطاق، بعد اتهامات من منظمات دولية وشهود عيان، بأن عملياتها كانت «مسيسة»، وأن مواقع توزيع الإغاثة شهدت وقائع عنف مميتة بحق المدنيين.
ووفق تقرير الصحيفة البريطانية، فقد أُنشئت «مؤسسة غزة الإنسانية» بقرار أمريكى إسرائيلى، بهدف تقديم مساعدات غذائية مباشرة للفلسطينيين، تحديداً مع تفاقم خطر المجاعة فى غزة، إثر الحصار الكامل، الذى فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلى منذ بداية الحرب، ومع ذلك، فقد رفضت منظمات الإغاثة الدولية الكبرى التعاون معها، متهمة إياها بإقصاء الأمم المتحدة، وتسييس العمل الإنسانى، وإدارة المساعدات بطريقة تتعارض مع مبادئ الحياد والاستقلال، وفى الوقت الذى كانت فيه الأمم المتحدة قادرة، رغم كل العقبات، على إيصال الغذاء والدواء والوقود إلى أكثر من 400 نقطة توزيع داخل القطاع، جاءت الاتهامات الإسرائيلية لتتهم المنظمة الدولية بـ«الإهمال»، و«عدم الكفاءة» والتغاضى عن تحويل «حماس» للمساعدات لتمويل عملياتها.
لكن المؤسسة، التى جاءت بديلاً عن الأدوار التقليدية للأمم المتحدة، لم تسلم بدورها من الاتهامات، فقد أشار تقرير لجنة خبراء دولية إلى أن «غزة الإنسانية» استغلت المساعدات لأغراض «عسكرية وجيوسياسية»، تتجاوز مهمتها المعلنة، فى حين وثّقت الصحيفة عشرات التحقيقات، التى تتحدث عن وقوع مئات الضحايا فى محيط مراكز التوزيع التابعة للمؤسسة فى مختلف أنحاء غزة، خاصةً فى جنوب القطاع.
وأكدت «الجارديان»، فى تقريرها، أنها حصلت على شهادات مباشرة من ناجين، إضافة إلى سجلات طبية ومقاطع فيديو منشورة على وسائل التواصل الاجتماعى، تؤكد مقتل أكثر من 1000 فلسطينى فى أربعة مراكز توزيع، معظمهم سقطوا برصاص جنود إسرائيليين مكلفين بحماية المرافق، وذكرت عيادة «الصليب الأحمر» فى مدينة رفح، أنها استقبلت 1874 مصاباً، بين 25 مايو و19 يونيو 2025، وأن «الغالبية الساحقة» من الجرحى أكدوا أنهم أصيبوا أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات التى توزعها المؤسسة.
وفى الوقت الذى نفت فيه المؤسسة وقوع أى عمليات إطلاق نار داخل مواقعها، فإنها اعترفت بأن السكان «واجهوا خطراً أثناء التنقل» للوصول إلى المراكز، أما جيش الاحتلال الإسرائيلى فقد ادعى أنه لم يطلق النار إلا «تحذيراً»، أو «عندما تعرضت قواته للخطر»، لكن موظفين سابقين فى المؤسسة قدموا روايات مغايرة، مدعومة بتسجيلات فيديو، قالوا فيها إن حراس الأمن الأمريكيين داخل المواقع استخدموا «الذخيرة الحية والقنابل الصوتية» لإبعاد الحشود المتدافعة.
من جانبه، قال جون أكرى، وهو مسئول سابق فى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إن «مؤسسة غزة الإنسانية» ستنقل عملها إلى «مركز التنسيق المدنى - العسكرى»، وهو جهاز أمريكى جديد داخل إسرائيل، ستكون مهمته الإشراف على وقف إطلاق النار، وتنظيم عمليات الإغاثة، وتفاخر المسئول الأمريكى السابق بدور المؤسسة، قائلاً: «نحن فخورون بأننا قدّمنا نموذجاً للمعونات لم يُحوّل إلى أى أطراف مسلحة، لقد أنقذنا الأرواح، وأعدنا الكرامة للمدنيين فى غزة»، أما وزارة الخارجية الأمريكية، فقد وجّهت الشكر للمؤسسة على «دورها فى منع نهب المساعدات»، وقال المتحدث باسم الوزارة، تومى بيجوت، فى منشور على منصة «إكس»، إن «جهود مؤسسة غزة الإنسانية أسهمت فى إقناع الأطراف بالتفاوض، والتوصل إلى وقف إطلاق النار»، على حد تعبيره، واستطرد قائلاً: «نشكرهم على كل ما قدموه لسكان غزة».
لكن على الجانب الآخر، جاءت تصريحات «حماس» لتفتح الباب أمام تصعيد قانونى دولى محتمل، فقد أكد المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، أن المؤسسة «تسببت فى استشهاد وإصابة آلاف الفلسطينيين»، داعياً منظمات حقوق الإنسان إلى ضمان عدم إفلاتها من المساءلة، واصفاً ما جرى بأنه «تغطية على سياسة التجويع التى تنفذها الحكومة الإسرائيلية».
وبين روايات المؤسسة وسلطات الاحتلال، وما تقوله المنظمات الدولية وشهود العيان، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً هى حجم المأساة الإنسانية التى تواصل التوسع فى قطاع غزة، فبينما تغادر «مؤسسة غزة الإنسانية» مواقعها، تاركة وراءها سجلاً متخماً بالأرقام المتناقضة، يتصاعد الجدل حول طبيعة الدور الذى لعبته فعلاً: «هل كانت مبادرة إغاثة، أم أداة ضغط سياسية؟»، و«هل أسهم تدخلها فى إنقاذ الأرواح، أم فى صناعة فوضى غذائية مميتة؟»، أسئلة ستظل مفتوحة، بينما ينتظر سكان غزة فعلاً إنسانياً حقيقياً، لا يتحول إلى ساحة صراع جديدة.